500 مليار دولار تعيد رسم خريطة صناعة الدواء.. لماذا تتسابق شركات الأدوية العالمية على التصنيع في أمريكا؟

من فايزر وليلي إلى روش وأسترازينيكا.. مليارات الدولارات تتجه إلى المصانع والمواد الخام والبحث والتطوير داخل الولايات المتحدة تحت ضغط الرسوم الجمركية وتأمين سلاسل الإمداد

تقرير:عمر إمام

تشهد صناعة الدواء العالمية واحدة من أكبر موجات إعادة توزيع الاستثمارات ومواقع التصنيع خلال السنوات الأخيرة، بعدما أعلنت مجموعة من أكبر شركات الأدوية العالمية خططًا ضخمة لتوسيع التصنيع والبحث والتطوير داخل الولايات المتحدة، في تحرك تجاوزت قيمة التعهدات المرتبطة به 500 مليار دولار، وفق أحدث رصد نشرته رويترز في 10 أغسطس 2026.

وتكشف متابعة الخطط المعلنة أن ما يحدث يتجاوز بناء عدد من المصانع الجديدة؛ إذ تتجه الشركات إلى إعادة ترتيب سلاسل توريدها بالكامل، بدءًا من تصنيع المواد الفعالة API، مرورًا بالمستحضرات الدوائية والحقن، وصولًا إلى البحث والتطوير والتقنيات الدوائية المتقدمة.

ويأتي هذا التحول في ظل سياسة أمريكية تضغط باتجاه نقل مزيد من الإنتاج الدوائي إلى الداخل، مع استخدام الرسوم الجمركية واتفاقات أسعار الأدوية كأدوات لإعادة تشكيل قرارات الشركات الاستثمارية. وتشير أحدث التطورات إلى أن السياسة الأمريكية باتت تربط في بعض الحالات بين الالتزام بالتصنيع والاستثمار المحلي وبين الحصول على إعفاءات أو فترات سماح من الرسوم.

فايزر.. 70 مليار دولار واتفاق مع إدارة ترامب

تأتي فايزر⁠ في مقدمة الشركات التي عززت ارتباط استراتيجيتها بالسوق الأمريكية.

وتوصلت الشركة إلى اتفاق مع الإدارة الأمريكية في سبتمبر 2025 يتضمن استثمارات بقيمة 70 مليار دولار في البحث والتطوير والتصنيع المحلي، وحصلت في المقابل على فترة سماح مدتها ثلاث سنوات من الرسوم المستهدفة للقطاع الدوائي، مع ارتباط ذلك باستمرار نقل وتعزيز الإنتاج داخل الولايات المتحدة.

وهذه النقطة تحديدًا تكشف أحد أهم أبعاد التحول الجاري: الاستثمار الصناعي أصبح جزءًا من التفاوض بين الحكومة الأمريكية وشركات الدواء حول الرسوم والأسعار والوصول إلى أكبر سوق دوائي في العالم.

إيلي ليلي.. من 27 مليارًا إلى أكثر من 50 مليار دولار

أما Eli Lilly⁠، فكانت قد أعلنت في فبراير 2025 ضخ 27 مليار دولار إضافية لإنشاء أربعة مواقع تصنيع جديدة، ثلاثة منها لإنتاج المواد الدوائية الفعالة API، والرابع لتصنيع المستحضرات القابلة للحقن.

لكن الرقم الأكبر يظهر عند النظر إلى البرنامج الاستثماري الكامل للشركة؛ إذ قالت ليلي إن استثماراتها التصنيعية في الولايات المتحدة منذ 2020 ستتجاوز 50 مليار دولار.

وبحلول أغسطس 2026، توسعت خطط الشركة بصورة أكبر، وأشارت أحدث البيانات إلى خطط لبناء ستة مصانع أمريكية، مع مشروعات أُعلن عنها في ولايات من بينها بنسلفانيا وألاباما وفيرجينيا وتكساس.

وهنا تظهر أهمية مختلفة لاستثمارات ليلي: الشركة لا تنقل فقط مرحلة تعبئة الدواء، وإنما تضخ استثمارات ضخمة في المواد الفعالة نفسها، أي في مرحلة أكثر عمقًا من سلسلة القيمة الدوائية.

جونسون آند جونسون.. 55 مليار دولار

وأعلنت Johnson & Johnson⁠ استثمارات تتجاوز 55 مليار دولار خلال أربع سنوات في التصنيع والبحث والتطوير والتكنولوجيا داخل الولايات المتحدة، بزيادة تقارب 25% مقارنة بمستوى استثمارات السنوات الأربع السابقة.

واستمرت الشركة في تنفيذ البرنامج خلال 2026، مؤكدة أن الهدف يتضمن تصنيع الغالبية العظمى من أدويتها المتقدمة المخصصة للسوق الأمريكية داخل الولايات المتحدة.

روش تضخ 50 مليار دولار

الشركة السويسرية Roche⁠ دخلت السباق بخطة استثمار تبلغ 50 مليار دولار في الولايات المتحدة، تشمل مواقع جديدة للبحث والتطوير، إلى جانب إنشاء وتوسعة منشآت تصنيع الأدوية والتشخيص.

وتضع هذه الاستثمارات الشركة في موقع يسمح لها بتوسيع قدرتها على الإنتاج المحلي وتقليل تعرض سلاسل توريدها للمخاطر التجارية والجمركية.

أسترازينيكا.. 50 مليار دولار حتى 2030

وأعلنت AstraZeneca⁠ استثمار 50 مليار دولار في الولايات المتحدة حتى عام 2030، في التصنيع والبحث والتطوير.

ومن أبرز مكونات الخطة منشأة تصنيع ضخمة في ولاية فيرجينيا، بما يعكس اتجاهًا واضحًا نحو توطين مراحل أكثر تقدمًا من الإنتاج داخل السوق الأمريكية، وليس مجرد زيادة الطاقة الإنتاجية التقليدية.

نوفارتس.. 23 مليار دولار و10 منشآت

أما Novartis⁠ فأعلنت استثمار 23 مليار دولار خلال خمس سنوات لبناء أو توسيع 10 منشآت أمريكية، بينها 7 منشآت جديدة بالكامل.

وتكتسب خطة نوفارتس أهمية خاصة؛ لأن الشركة قالت إن القدرات الجديدة ستتيح لها تصنيع 100% من أدويتها الرئيسية المخصصة للولايات المتحدة من البداية إلى النهاية داخل البلاد، وهو مؤشر واضح على اتجاه الشركات نحو بناء سلسلة تصنيع محلية متكاملة.

سانوفى.. 20 مليار دولار

وأعلنت Sanofi⁠ ضخ 20 مليار دولار على الأقل حتى عام 2030 في الولايات المتحدة، تشمل زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وتوسيع التصنيع المحلي ورفع قدرات سلسلة الإمداد.

ليست استثمارات منفردة.. بل تحول صناعي

القاسم المشترك بين هذه الخطط هو أن الشركات لا تستثمر في مجال واحد. فالأموال تتوزع على المواد الخام الدوائية، والمستحضرات النهائية، والحقن المعقمة، والأدوية البيولوجية، ومراكز البحث والتطوير، والتشخيص، وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا.

وبحسب أحدث رصد لرويترز، تشمل موجة التوسع أيضًا شركات أخرى مثل Merck وAmgen وAbbVie وGilead وGSK وBristol Myers Squibb، إلى جانب الشركات السابقة، وهو ما رفع حجم التعهدات الاستثمارية الإجمالية إلى نحو 500 مليار دولار.

لماذا الآن؟

وراء هذا السباق ثلاثة دوافع رئيسية متداخلة: حماية الشركات من مخاطر الرسوم الجمركية، وتقليل الاعتماد على سلاسل توريد دولية معرضة للاضطرابات، والاقتراب من السوق الأمريكية التي تمثل مركزًا بالغ الأهمية لمبيعات الأدوية المبتكرة عالميًا.

لكن التطور الأهم خلال 2026 هو تحول الرسوم من مجرد تهديد تفاوضي إلى عامل مباشر في حسابات الشركات. فقد بدأت الولايات المتحدة تطبيق إجراءات جمركية على بعض الأدوية والمكونات الدوائية المستوردة، بينما حصلت بعض الشركات التي أبرمت اتفاقات مع الإدارة الأمريكية على ترتيبات أو فترات إعفاء مرتبطة بالتزاماتها الاستثمارية.

وهذا يعني أن قرار إنشاء مصنع في الولايات المتحدة لم يعد قائمًا فقط على تكلفة العمالة والطاقة والأرض؛ وإنما أصبحت تكلفة عدم التصنيع داخل أمريكا جزءًا من المعادلة الاستثمارية.

ماذا يعني ذلك لصناعة الدواء العالمية؟

الموجة الحالية قد تؤدي تدريجيًا إلى تغيير الخريطة الجغرافية للصناعة الدوائية. فالولايات المتحدة تسعى إلى استعادة أجزاء من سلسلة القيمة التي انتقلت على مدى عقود إلى دول أخرى، وبصفة خاصة المكونات والمواد الفعالة ومراحل الإنتاج المختلفة.

وفي المقابل، فإن ضخ مئات المليارات داخل الولايات المتحدة يطرح سؤالًا مهمًا أمام أوروبا وبقية مراكز صناعة الدواء: هل تتحول الاستثمارات الجديدة إلى توسعات إضافية بالفعل، أم أن جزءًا منها سيأتي على حساب مصانع واستثمارات كان يمكن إقامتها في دول أخرى؟

والفارق جوهري؛ لأن انتقال البحث والتطوير والـAPI والتصنيع البيولوجي المتقدم يعني انتقال المعرفة والوظائف عالية المهارة وسلاسل الموردين، وليس فقط خطوط إنتاج الدواء.

الأرقام تكشف حجم السباق

فايزر تتحدث عن 70 مليار دولار، وجونسون آند جونسون عن أكثر من 55 مليارًا، وروش عن 50 مليارًا، وأسترازينيكا عن 50 مليارًا، ونوفارتس عن 23 مليارًا، وسانوفي عن 20 مليارًا، بينما تتجاوز استثمارات ليلي التصنيعية الأمريكية المعلنة منذ 2020 50 مليار دولار. وهذه الأرقام لا ينبغي جمعها آليًا باعتبارها كلها إنفاقًا جديدًا في الفترة نفسها، لأن نطاقات الإعلان والفترات الزمنية تختلف من شركة إلى أخرى، لكنها توضح حجم التحول.

والأحدث أن إجمالي التعهدات المعلنة من شركات الدواء الكبرى لتعزيز وجودها الأمريكي أصبح يدور حول 500 مليار دولار، بحسب رصد رويترز المنشور في 10 أغسطس 2026.

اقرأ ايضًا: رئيس هيئة الدواء المصرية يبحث مع ممثلي شركة «حكمة» تعزيز الاستثمار وتوطين صناعة الدواء

من «العولمة» إلى «أمن الدواء»

لأعوام طويلة بُني النموذج الدوائي العالمي على توزيع مراحل الصناعة بين عدة دول وفقًا للتكلفة والكفاءة: البحث في دولة، والمواد الخام في أخرى، والتصنيع أو التعبئة في دولة ثالثة.

لكن الجائحة واضطرابات الشحن والصراعات التجارية والجيوسياسية ثم سياسات الرسوم الأمريكية دفعت مفهوم الأمن الدوائي إلى مقدمة القرارات الصناعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top