الدواء المغشوش.. تجارة الموت تحت المجهر

بالأرقام..كيف تخوض هيئة الدواء  معركة حماية صحة المصريين من الغش والتهريب؟

تحقيق: عمر إمام -حنين عبدالوهاب

لم يعد الدواء المغشوش أو المهرب مجرد سلعة مخالفة للقانون، بل تحول إلى خطر حقيقي يهدد الأمن الصحي للمجتمع. ففي الوقت الذي يلجأ فيه المريض إلى الدواء بحثًا عن الشفاء، قد يقع ضحية لعبوات مزيفة أو مستحضرات مجهولة المصدر أو أدوية منتهية الصلاحية، ما قد يؤدي إلى فشل العلاج أو تفاقم المرض أو التعرض لمضاعفات صحية خطيرة، وربما الوفاة في بعض الحالات.

وتزداد خطورة الظاهرة مع استغلال بعض الخارجين عن القانون حاجة المرضى إلى أدوية نادرة أو مرتفعة الثمن، أو التوسع في بيع الأدوية عبر صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية بعيدًا عن أي رقابة، وهو ما دفع الدولة المصرية إلى تشديد الرقابة على سوق الدواء، بقيادة هيئة الدواء المصرية، التي تخوض معركة مستمرة لضبط المخالفين وحماية صحة المواطنين.

ضربات متتالية لمافيا الدواء

تعكس أحدث حملات هيئة الدواء المصرية حجم الجهود المبذولة لمواجهة تجارة الدواء غير الشرعية. ففي مايو 2026، أعلنت الهيئة تنفيذ حملات رقابية مكثفة في 17 محافظة، أسفرت عن ضبط 85 منشأة غير مرخصة، والتحفظ على أدوية ومستحضرات طبية ومكملات غذائية وأجهزة طبية بلغت قيمتها أكثر من 70 مليون جنيه.

وشملت المضبوطات مصانع ومخازن غير مرخصة لإنتاج وتخزين الأدوية والمكملات الغذائية، وصيدليات وعيادات تعمل بالمخالفة للقانون، إضافة إلى كميات من الأدوية مجهولة المصدر وغير المسجلة، وأدوية منتهية الصلاحية، ومستحضرات تجميل وأجهزة طبية غير مطابقة للمواصفات.

ولم تتوقف جهود الهيئة عند الحملات الميدانية، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني، حيث رصدت 39 صفحة إلكترونية تروج لبيع الأدوية بصورة غير قانونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما باشرت التحقيق في 17 قضية تتعلق بالاتجار غير المشروع في الأدوية عبر الإنترنت، في خطوة تؤكد أن الرقابة أصبحت تواكب تطور وسائل الاتجار غير المشروع.

سوق سوداء تهدد الأمن الصحي

يؤكد خبراء الدواء أن الأدوية المغشوشة تختلف عن الأدوية الأصلية في تركيبها أو تركيز المادة الفعالة أو ظروف تصنيعها، وقد تحتوي على مواد غير مطابقة للمواصفات أو لا تحتوي على أي مادة علاجية من الأساس.

كما أن الأدوية المهربة لا تمر بإجراءات التسجيل والرقابة التي تضمن سلامتها وجودتها، وهو ما يجعل تداولها مخاطرة كبيرة، خاصة في أدوية الأمراض المزمنة، وأدوية القلب، والسرطان، والسكري، والمضادات الحيوية.

وتحذر تقارير دولية من أن تجارة الأدوية المغشوشة تعد من أكثر الأنشطة غير المشروعة ربحًا على مستوى العالم، مستفيدة من ارتفاع الطلب على بعض الأصناف وصعوبة اكتشاف العبوات المقلدة.

هيئة الدواء.. خط الدفاع الأول

تمثل هيئة الدواء المصرية الجهة المسؤولة عن تنظيم وتطوير سوق الدواء، وضمان جودة المستحضرات الطبية المتداولة، ومراقبة تصنيعها واستيرادها وتوزيعها.

وتنفذ الهيئة حملات تفتيش دورية على الصيدليات، ومخازن الأدوية، وشركات التوزيع، والمصانع، بالتنسيق مع الجهات الرقابية والأمنية، لضبط المستحضرات المخالفة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتورطين.

ولا تقتصر جهود الهيئة على الضبط فقط، وإنما تشمل أيضًا متابعة سلاسل الإمداد الدوائي، والتأكد من التزام المؤسسات الصيدلية بالقوانين المنظمة لتداول المستحضرات الطبية.

أرقام تؤكد اتساع الرقابة

تكشف البيانات الرسمية عن تصاعد واضح في وتيرة الحملات الرقابية خلال السنوات الأخيرة.

ففي مارس 2024، نفذت هيئة الدواء نحو 290 حملة تفتيشية، شملت المرور على أكثر من 9400 مؤسسة صيدلية، وأسفرت عن ضبط أدوية مهربة وغير مسجلة تجاوزت قيمتها 90 مليون جنيه.

وفي مايو من العام نفسه، تم التفتيش على أكثر من 9000 مؤسسة صيدلية، وضبط أدوية مخالفة بلغت قيمتها نحو 30 مليون جنيه، إلى جانب رصد مخالفات تتعلق بالتراخيص، وغياب المدير الصيدلي، ومخالفة قواعد التسعير، وبيع مستحضرات مجهولة المصدر.

وتؤكد هذه الأرقام أن الرقابة على سوق الدواء أصبحت أكثر شمولًا، مع استهداف جميع حلقات تداول الدواء، بداية من التصنيع وحتى وصوله إلى المريض.

الدواء المغشوش.. تجارة الموت تحت المجهر

أبرز المخالفات

تظهر نتائج الحملات أن أكثر المخالفات انتشارًا تشمل:

         ●      تداول أدوية غير مسجلة بهيئة الدواء.

         ●      بيع مستحضرات مجهولة المصدر.

         ●      تخزين الأدوية في مخازن غير مرخصة.

         ●      تشغيل صيدليات دون استيفاء الاشتراطات القانونية.

         ●      تداول أدوية منتهية الصلاحية.

         ●      مخالفة قواعد التسعير الجبري.

         ●      بيع أدوية تحتاج إلى وصفة طبية دون إشراف طبي.

         ●      تسويق أدوية ومستحضرات علاجية عبر الإنترنت بصورة غير قانونية.

الإنترنت.. منفذ جديد للغش

أصبحت التجارة الإلكترونية أحد أخطر منافذ تداول الأدوية المغشوشة، إذ تنتشر صفحات تعرض أدوية للتخسيس، والمنشطات، والمضادات الحيوية، وأدوية الأمراض المزمنة، دون أي رقابة أو ضمان لمصدرها.

وتحذر هيئة الدواء المصرية باستمرار من شراء الأدوية عبر الإنترنت أو من خلال صفحات التواصل الاجتماعي، لأن هذه المنتجات قد تكون مغشوشة أو مهربة أو مخزنة في ظروف غير مناسبة، وهو ما يفقدها فعاليتها ويعرض حياة المرضى للخطر.

الصيدلي شريك في حماية المريض

يمثل الصيدلي خط الدفاع الأول داخل المجتمع، إذ تقع على عاتقه مسؤولية التأكد من سلامة الدواء ومصدره قبل صرفه للمريض.

ويؤكد متخصصون أن التزام الصيدلي بشراء الأدوية من شركات توزيع معتمدة، والاحتفاظ بالفواتير، والإبلاغ عن أي عبوات يشتبه في غشها، يسهم بصورة كبيرة في الحد من انتشار الدواء غير الشرعي.

كما يؤدي الصيدلي دورًا مهمًا في توعية المواطنين بالاستخدام الرشيد للدواء، والتنبيه إلى مخاطر العلاج الذاتي.

لا دواء دون وصفة طبية

يحذر الأطباء من أن تناول الأدوية دون استشارة الطبيب أصبح من أكثر السلوكيات خطورة، خاصة مع انتشار المعلومات الطبية غير الدقيقة عبر الإنترنت.

فالمضادات الحيوية، على سبيل المثال، لا تستخدم إلا وفق تشخيص طبي، لأن سوء استخدامها يؤدي إلى مقاومة البكتيريا للعلاج، وهي مشكلة صحية عالمية.

كما أن الإفراط في تناول المسكنات قد يسبب قرحة المعدة أو نزيف الجهاز الهضمي أو تلف الكبد والكلى، بينما قد تؤدي بعض الأدوية إلى تفاعلات خطيرة إذا استخدمت مع أدوية أخرى دون إشراف طبي.

ولهذا تؤكد هيئة الدواء المصرية باستمرار ضرورة عدم تناول أي دواء دون وصفة طبية أو استشارة الطبيب أو الصيدلي.

التوعية… سلاح موازٍ للرقابة

لا تعتمد هيئة الدواء المصرية على الحملات التفتيشية فقط، بل تولي أهمية كبيرة للتوعية المجتمعية، باعتبارها أحد أهم وسائل الوقاية.

وتتضمن رسائل التوعية التي تطلقها الهيئة:

         ●      شراء الدواء من الصيدليات المرخصة فقط.

         ●      عدم شراء الأدوية من صفحات التواصل الاجتماعي.

         ●      التأكد من سلامة العبوة وعدم العبث بها.

         ●      الالتزام بالجرعات المحددة من الطبيب.

         ●      عدم استخدام وصفات الآخرين.

         ●      عدم الاحتفاظ بالأدوية منتهية الصلاحية داخل المنزل.

         ●      الإبلاغ عن أي دواء يشتبه في غشه أو تهريبه.

مسئولية مشتركة

يرى خبراء الصحة أن مواجهة تجارة الأدوية المغشوشة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن.

فالدولة تواصل تطوير منظومة الرقابة، وتشديد العقوبات على المخالفين، وملاحقة شبكات التهريب، بينما يقع على المواطن دور أساسي يتمثل في رفض شراء الأدوية من مصادر غير موثوقة، وعدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة أو العروض الوهمية على الإنترنت.

كما تتحمل المؤسسات الصحية والإعلامية مسؤولية نشر الثقافة الدوائية الصحيحة، وتوعية المواطنين بخطورة العلاج الذاتي، وأهمية الالتزام بالإرشادات الطبية.

بالأرقام

         ●      85 منشأة غير مرخصة تم ضبطها خلال حملات مايو 2026.

         ●      17 محافظة شملتها الحملات.

         ●      70 مليون جنيه قيمة المضبوطات.

         ●      39 صفحة إلكترونية رُصدت لترويج الأدوية بصورة غير قانونية.

         ●      17 قضية للتحقيق في الاتجار بالأدوية عبر الإنترنت.

         ●      290 حملة تفتيشية خلال مارس 2024.

         ●      المرور على أكثر من 9400 مؤسسة صيدلية في مارس 2024.

         ●      ضبط أدوية مخالفة بأكثر من 90 مليون جنيه في مارس 2024.

         ●      التفتيش على أكثر من 9000 مؤسسة صيدلية في مايو 2024.

         ●      ضبط أدوية مخالفة بقيمة 30 مليون جنيه في مايو 2024.

رسالة إلى المواطنين

وسط الجهود الكبيرة التي تبذلها هيئة الدواء المصرية لحماية سوق الدواء، تبقى مسؤولية المواطن هي الحلقة الأهم في منظومة الحماية. فشراء الدواء من الصيدليات المرخصة فقط، وعدم الانسياق وراء الإعلانات المجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، والالتزام بتعليمات الطبيب، تمثل جميعها خطوات أساسية لحماية الصحة العامة.

كما تدعو هيئة الدواء المصرية المواطنين إلى الإبلاغ عن أي مخالفات أو تداول غير قانوني للأدوية عبر الخط الساخن 15301، بما يسهم في دعم جهود الرقابة والحد من انتشار الأدوية المغشوشة والمهربة.

وأخيرا ..تكشف الأرقام والضبطيات الأخيرة أن الدولة المصرية تخوض معركة حقيقية ضد مافيا الأدوية المغشوشة والمهربة، وهي معركة لا تستهدف فقط حماية الاقتصاد، بل حماية أرواح المواطنين. ورغم النجاحات التي حققتها هيئة الدواء المصرية في ضبط المخالفين وتشديد الرقابة على الأسواق والمنصات الإلكترونية، فإن القضاء على هذه الظاهرة يظل مرهونًا بتعاون الجميع؛ دولةً ومؤسساتٍ وصيادلةً ومواطنين. فالدواء ليس سلعة عادية، بل هو أمانة تتعلق بحياة الإنسان، وأي تهاون في تداوله أو الحصول عليه من مصادر غير موثوقة قد يحول العلاج إلى خطر يهدد الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top