بعد اختياره عضوًا باللجنة الاستشارية العليا لمنظمة الصحة العالمية.. محمد حساني: مصر تشارك اليوم في صناعة القرار الصحي العالمي
من فيروس «سي» إلى الكبد الدهني.. مبادرات صحية جديدة لحماية المصريين
نجاح «100 مليون صحة» غيّر نظرة العالم إلى التجربة المصري
رجاء ناجي
قبل سنوات قليلة، كانت مصر تتصدر التقارير الدولية باعتبارها واحدة من أعلى دول العالم في معدلات الإصابة بفيروس الالتهاب الكبدي «سي»، وكانت المعركة مع المرض تبدو معقدة، سواء بسبب الانتشار الواسع أو ارتفاع تكلفة العلاج أو ضخامة أعداد المرضى، لكن المشهد تغير بالكامل.
ففي عام 2023 حصلت مصر على الإشهاد الذهبي من منظمة الصحة العالمية كأول دولة في العالم تنجح في القضاء على فيروس «سي» كمشكلة تهدد الصحة العامة، لتتحول من دولة كانت تواجه أحد أخطر التحديات الصحية إلى نموذج عالمي تستفيد منه الدول الأخرى.
ولم يعد هذا النجاح مجرد قصة وطنية، بل أصبح مرجعًا دوليًا. وخلال إطلاق التقرير العالمي لمنظمة الصحة العالمية في بانكوك، جاءت العبارة التي لخصت حجم هذا التحول:
“العالم يحتاج إلى المزيد من مصر”.
لم تكن هذة العبارة مجرد إشادة، بل عكست التحول الذي شهدتة مصر من دولة تواجة أحد أكبر تحديات الصحة العامة،إلي دولة تشارك اليوم في رسم السياسات الصحية العالمية
وتُرجمت هذه الثقة الدولية مؤخرًا باختيار الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة والسكان لشؤون المبادرات الصحية، وعضو اللجنة الاستشارية العليا بمنظمة الصحة العالمية المعنية بالقضاء على الالتهاب الكبدي الفيروسي، وفيروس نقص المناعة البشرية، والأمراض المنقولة جنسيًا، وهي اللجنة التي تسهم في رسم السياسات الصحية العالمية حتى عام 2030
وفي هذا الحوار، يكشف” الدكتور محمد حساني” كواليس هذا الاختيار، ويشرح كيف تحولت التجربة المصرية إلى نموذج عالمي، ولماذا أصبحت الوقاية والكشف المبكر ركيزة أساسية في السياسة الصحية للدولة، كما يعلن للمرة الأولى ملامح المرحلة المقبلة من المبادرات الرئاسية، والتي تمتد إلى ملفات جديدة، على رأسها الكبد الدهني، وروماتيزم القلب لدى الأطفال، وبرامج للكشف المبكر عن أورام الأطفال.
اعتراف عالمي بالتجربة المصرية
■ بداية.. ماذا يعني اختياركم عضوًا في اللجنة الاستشارية العليا لمنظمة الصحة العالمية؟
د. محمد حساني: هذا الاختيار يمثل تقديرًا للتجربة المصرية أكثر مما يمثل تقديرًا لشخصي. فاللجنة تعد من أهم اللجان العلمية بمنظمة الصحة العالمية، وتقدم المشورة للمدير العام بشأن الاستراتيجيات العالمية للقضاء على الالتهاب الكبدي الفيروسي وفيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسيًا حتى عام 2030.
الترشح كان مفتوحًا واستمر أكثر من عام، لكن ما رجح كفة مصر هو نجاحها الاستثنائي في القضاء على فيروس «سي»، وهو ما جعل العالم ينظر إلى التجربة المصرية باعتبارها نموذجًا يمكن الاستفادة منه.
ويضيف:” رغم أن الترشح كان فرديًا، فإن الاختيار في الحقيقة كان للتجربة المصرية. فهذه اللجان لا تنظر إلى الأشخاص بمعزل عن الدول التي يمثلونها، وإنما تبحث عن الخبرات التي صنعت فارقًا يمكن أن تستفيد منه بقية دول العالم.”
ويشير إلى أن مصر أصبحت اليوم تمتلك واحدة من أنجح التجارب العالمية في القضاء على فيروس «سي» ، وهو ما جعل وجودها داخل هذه اللجنة أمرًا طبيعيًا ، خاصة أن كثيرًا من الدول ما زالت تسعى للوصول إلى ما حققته مصر خلال سنوات قليلة.

“العالم يحتاج إلى المزيد من مصر”
خلال إطلاق التقرير العالمي في بانكوك قيلت عبارة “العالم يحتاج إلى المزيد من مصر”.. ماذا تعني لكم؟
د. محمد حساني: كانت لحظة فارقة،
هذه العبارة لم تكن مجاملة، وإنما رسالة واضحة بأن ما حققته مصر أصبح نموذجًا عالميًا.
اليوم لم تعد مصر دولة تستقبل الخبرات فقط، بل أصبحت تشارك في صياغة السياسات الصحية، وتنقل تجربتها إلى دول أفريقيا والشرق الأوسط وغيرها.
سر المعجزة المصرية
■ ما السر الحقيقي وراء نجاح مصر في القضاء على فيروس «سي»؟
د. حساني: إذا أردت أن ألخص التجربة في كلمة واحدة فسأقول “الإرادة السياسية”.
الرئيس عبدالفتاح السيسي اعتبر القضاء على فيروس «سي» قضية أمن قومي.
لكن الإرادة وحدها لا تكفي، فقد سبقتها سنوات من الدراسات، وبناء قواعد البيانات، والتخطيط العلمي، ثم جاء التنفيذ المؤسسي المتكامل.
“100 مليون صحة” نقطة تحول في الصحة العامة
■ لماذا تعتبرون مبادرة «100 مليون صحة» أكبر مشروع للصحة العامة في تاريخ مصر؟
د. محمد حساني: لأنها لم تكن حملة للكشف عن فيروس «سي» فقط.
كانت مشروعًا وطنيًا شارك فيه أكثر من 60 ألف مقدم خدمة، وأكثر من 7 آلاف نقطة فحص، و150 مركز علاج.
والأهم أن المواطن نفسه كان شريكًا في النجاح.
لهذا أقول دائمًا إن الحكومة لم تحقق النجاح وحدها، بل المصريون هم الذين صنعوا نجاح «100 مليون صحة».

اكتشاف ملايين المرضى
■ لماذا تم دمج فحص السكر والضغط مع فيروس «سي»؟
لأن وجود المواطن أمامنا فرصة ذهبية.
استغللنا هذه الفرصة لاكتشاف الأمراض غير السارية.
والنتيجة كانت اكتشاف ملايين المواطنين المصابين بالضغط أو السكر قبل ظهور المضاعفات، وهو ما وفر عليهم معاناة كبيرة، ووفر على الدولة مليارات الجنيهات.
يكشف الدكتور محمد حساني لأول مرة كواليس اتخاذ قرار دمج فحص السكر وضغط الدم مع مبادرة القضاء على فيروس «سي»، قائلًا:
“في البداية كنا نتخوف من ضعف إقبال المواطنين على الفحص، لأن ثقافة الكشف المبكر لم تكن راسخة بالشكل الكافي. وخلال مناقشات مع الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة آنذاك، جاءت فكرة دمج قياس الضغط والسكر مع فحص فيروس «سي»، باعتبارهما فحصين اعتاد المواطنون على إجرائهما.”
ويضيف: “بعد التنفيذ اكتشفنا أننا لم نحصل فقط على ملايين نتائج فحص فيروس «سي»، بل حصلنا على أكبر قاعدة بيانات صحية عن المصريين، واكتشفنا آلاف الحالات المصابة بالسكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة في مراحل مبكرة، “وهو ما غيّر خريطة الأمراض في مصر”.
توطين صناعة الدواء
■ كيف نجحت مصر في علاج ملايين المرضى رغم ارتفاع أسعار الدواء عالميًا؟
هذه كانت أحد أكبر التحديات التي واجهت الدولة في بداية رحلة القضاء على فيروس «سي» كان ارتفاع تكلفة العلاج عالميًا، وهو ما كان سيحول دون وصوله إلى ملايين المرضى.
لكن الدولة، كما يقول، اتخذت قرارًا استراتيجيًا بتوطين صناعة أدوية علاج فيروس «سي» داخل مصر، بالتعاون مع اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية وشركات الدواء الوطنية.
ويضيف: وخلال فترة قصيرة أصبحت مصر تنتج العلاج محليًا، بما أتاح توفيرة لجميع المرضي دون أن تكون التكلفة عائقًا، وهكذا اكتملت منظومة النجاح؛ كشف مبكر واسع النطاق، وعلاج محلي منخفض التكلفة، ووصول الخدمة إلى جميع المرضى دون أن تكون القدرة المادية عائقًا.
الوقاية استثمار وليست تكلفة
■ لماذا أصبحت الوقاية استثمارًا اقتصاديًا للدولة؟
بكل تأكيد، كل جنيه يُنفق على الوقاية يوفر للدولة أضعافه في علاج المضاعفات، ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في صحة الإنسان.
كما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن فيروس «سي» كان يكلف الاقتصاد المصري ما بين 1.5 و2% من الناتج المحلي سنويًا.
وبعد نجاح المبادرة ارتفع الناتج المحلي بنحو 1%، وحققت الدولة وفورات تُقدر بنحو 7 مليارات دولار.
الكبد الدهني على رأس الأولويات
■ ما الملف الصحي الأهم خلال المرحلة المقبلة؟
د. محمد حساني: الكبد الدهني. خلال شهرين تقريبًا سنعلن نتائج المسح الصحي التدرجي.
ومصر أول دولة تُدرج الكبد الدهني ضمن الأمراض غير السارية في منظمة الصحة العالمية، كما أنها أول دولة تضيفه إلى هذا المسح.
وندرس حاليًا إطلاق مبادرة قومية للكشف المبكر عنه، لأن الاكتشاف المبكر هو السبيل الأكثر فاعلية لمنع تطور المرض إلي تليف أو سرطان الكبد.
■ هل هناك مبادرات جديدة تدرسها الوزارة؟
نعم، جري دراسة وطنية لروماتيزم القلب بين أطفال المدارس لمعرفة العبء المرضي الحقيقي.
كما نعمل على برنامج للكشف المبكر عن عدد من أورام الأطفال، والهدف هو التدخل قبل ظهور المضاعفات.
اقرأ ايضًا: الصحة: فحص 22.7 مليون مواطن ضمن مبادرة الأمراض المزمنة
■ ويختتم الدكتور محمد حساني حديثه قائلاً:
“رحلتنا لم تنتهِ بالقضاء على فيروس «سي». ما تحقق كان البداية فقط، والهدف اليوم أن يصبح كل مواطن مصري أكثر صحة قبل أن يصبح مريضًا. هذه هي فلسفة الجمهورية الجديدة في الصحة،أن نحمي الإنسان قبل أن نضطر إلي علاجه



