رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية الدكتور أحمد طه في حوار خاص لـ«بوابة مصر الصحية»
اعتماد «الإسكوا» يؤكد أن المعايير المصرية أصبحت بين الأفضل عالميًا.
ننشر ثقافة الجودة في جميع المحافظات تمهيدًا لانضمامها لمنظومة التأمين الصحي الشامل.
حوار: رجاء ناجي
لم يعد نجاح المنظومة الصحية في مصر يقاس بعدد المستشفيات الجديدة أو حجم الاستثمارات، بل بقدرتها على تقديم خدمة آمنة وعالية الجودة تضع المريض في قلب منظومة الرعاية.
ومع انطلاق المرحلة الثانية من منظومة التأمين الصحي الشامل، أصبحت الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية (GAHAR) أحد أهم أعمدة الإصلاح الصحي، باعتبارها الجهة المستقلة المسؤولة عن وضع معايير الجودة، واعتماد المنشآت الصحية، ومتابعة التزامها المستمر بهذه المعايير.
وخلال سنوات قليلة، تجاوز دور الهيئة مفهوم منح شهادات الاعتماد، إلى قيادة مشروع وطني لنشر ثقافة الجودة، وتأهيل الكوادر، ومراجعة المنشآت الصحية، حتى أصبحت الجودة جزءًا من الممارسة اليومية داخل المؤسسات الصحية.
وفي هذا الحوار، يكشف الاستاذ الدكتور أحمد طه،رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، كيف أصبحت الجودة ركيزة أساسية لنجاح منظومة التأمين الصحي الشامل، ولماذا لم تعد سلامة المريض مجرد هدف، بل معيارًا تقاس به جميع القرارات داخل المنظومة الصحية.
من المحلية إلى العالمية.. كيف وضعت «GAHAR» مصر على خريطة جودة الرعاية الصحية؟
- حصلت الهيئة على تجديد اعتماد الجمعية الدولية لجودة الرعاية الصحية (ISQua)، وحققت تقييمًا عالميًا بلغ 99%.. ماذا يمثل هذا الإنجاز؟
الدكتور أحمد طه: هذا الإنجاز يمثل اعترافًا دوليًا بأن منظومة الاعتماد المصرية أصبحت تعمل وفق أفضل الممارسات العالمية، وأن المعايير الوطنية التي تطبقها الهيئة تضاهي المعايير الدولية،
كما أن حصول الهيئة على أعلى نسب التقييم، وجائزة النجوم الذهبية الثلاث، يعكس حجم التطور الذي شهدته منظومة الجودة في مصر، ويؤكد أن التجربة المصرية أصبحت محل تقدير دولي.
والأهم أن هذا الاعتراف يمنح المواطن الثقة في أن المنشآت الصحية المعتمدة تخضع لمعايير رقابية تضمن جودة الخدمة وسلامة المرضى.
- لماذا اختارت مصر إعداد معايير وطنية للاعتماد بدلًا من الاكتفاء بتطبيق المعايير الدولية؟
منذ إنشاء الهيئة كان هناك قرار واضح بأن تمتلك مصر معايير وطنية خاصة بها، تعكس طبيعة النظام الصحي المصري، مع الالتزام الكامل بأفضل الممارسات العالمية.
فالمعايير الدولية تضع المبادئ العامة للجودة، لكن لكل دولة خصوصيتها من حيث طبيعة الأمراض، وتركيب النظام الصحي، والثقافة المجتمعية، والإمكانات المتاحة، لذلك لا يمكن نقل أي معيار كما هو من دولة إلى أخرى.
لهذا أعددنا معايير مصرية خالصة، شارك في إعدادها خبراء من مختلف التخصصات، ثم خضعت لمراجعة واعتماد الجمعية الدولية لجودة الرعاية الصحية (ISQua)، لتصبح معايير معترفًا بها عالميًا، وفي الوقت نفسه قابلة للتطبيق داخل مصر.
وهذا منحنا ميزة مهمة، وهي أن المعايير أصبحت تحقق التوازن بين الالتزام بالمستويات الدولية، ومراعاة احتياجات المواطن المصري وواقع المنشآت الصحية، وهو ما جعلها أكثر واقعية واستدامة.

- لم تكتفِ الهيئة بوضع معايير للمستشفيات فقط، بل أصبحت تصدر أدلة اعتماد متخصصة لمختلف الخدمات الصحية.. إلى أين وصل هذا المشروع؟
الجودة لا تتوقف عند المستشفيات، ولذلك نعمل باستمرار على التوسع في إصدار أدلة اعتماد متخصصة تغطي مختلف مجالات الرعاية الصحية.
وخلال الفترة الأخيرة أصدرت الهيئة عددًا من الأدلة الوطنية المتخصصة، شملت الصيدليات، والعلاج الطبيعي، ووحدات السكتة الدماغية، إلى جانب تحديث الأدلة الخاصة بالمستشفيات والرعاية الأولية وغيرها، وجميعها بُنيت وفق أحدث المراجع العلمية، وحصلت على الاعتماد الدولي من ISQua.
كما نواصل العمل على إصدار أدلة جديدة لمجالات حديثة مثل مراكز الأشعة، والتطبيب عن بُعد، والطب التجميلي، وبنوك الدم المستقلة، والمنشآت الصديقة للأم والطفل، لأن هدفنا هو أن تمتلك كل خدمة صحية في مصر معايير واضحة تضمن الجودة وسلامة المرضى.
هذه الأدلة لا تمثل مجرد وثائق تنظيمية، بل تشكل المرجعية الوطنية الموحدة التي تقود تطوير الخدمات الصحية في مختلف التخصصات.
لماذا أصبحت «GAHAR» أحد أعمدة نجاح التأمين الصحي الشامل؟
- ما الدور الذي تقوم به الهيئة داخل منظومة التأمين الصحي الشامل؟
نجاح التأمين الصحي الشامل يقوم على الفصل الكامل بين مقدم الخدمة، وممولها، والجهة التي تراقب جودتها.
فالهيئة العامة للرعاية الصحية تقدم الخدمة، وهيئة التأمين الصحي الشامل تمولها، بينما تتولى الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية وضع معايير الجودة واعتماد المنشآت ومتابعة التزامها بها.
هذا الفصل يحقق أعلى درجات الحوكمة والشفافية، ويضمن حيادية تقييم الخدمة، كما يعزز ثقة المواطنين، ويدفع جميع المنشآت إلى التنافس على تحسين الأداء، لأن الجودة أصبحت شرطًا أساسيًا لاستمرارها داخل المنظومة.
الجودة ليست عبئًا… بل استثمار يحمي المريض
- ما زال البعض يعتقد أن الاعتماد يعني اشتراطات معقدة أو أعباء إضافية على المستشفيات.. كيف تردون؟
يكمل الدكتور أحمد طه قائلًا:
هذا من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا.
الجودة لا تعني أوراقًا أو إجراءات شكلية، وإنما تنظيم العمل داخل المنشأة بطريقة تقلل الأخطاء وتحسن النتائج العلاجية وتحافظ على سلامة المريض.
كما أنها تساعد على ترشيد استخدام الموارد، وتقليل العدوى والأخطاء الطبية، ورفع كفاءة التشغيل، ولذلك فهي استثمار حقيقي يضمن استدامة المنظومة الصحية، وليست تكلفة إضافية على المنشآت.
سلامة المريض… البوصلة التي تقود جميع معايير الجودة
- ما الذي تقيسه الهيئة عند تقييم المنشآت الصحية؟ ولماذا أصبحت سلامة المريض محور جميع المعايير؟
نحن لا نقيم المباني أو الأجهزة فقط، بل نقيم رحلة المريض بالكامل منذ دخوله المنشأة وحتى خروجه.
نهتم بدقة التشخيص، وإدارة الدواء، ومكافحة العدوى، وسلامة الإجراءات الطبية، وكفاءة الفريق الصحي، واحترام حقوق المريض، وقياس رضاه عن الخدمة.
وسلامة المريض هي الأساس الذي تبنى عليه جميع هذه المعايير، لأنها تعني تقليل كل المخاطر التي يمكن تجنبها أثناء رحلة العلاج، وهو ما يجعل الجودة تجربة متكاملة، وليست مجرد نجاح للإجراء الطبي.

الاعتماد بداية الطريق… وليس نهايته
- هل ينتهي دور الهيئة بمجرد منح شهادة الاعتماد؟
بالعكس، فالاعتماد هو بداية مرحلة جديدة من المتابعة والتحسين المستمر.
تنفذ الهيئة زيارات دورية وأخرى مفاجئة للتأكد من استمرار الالتزام بالمعايير، كما تتابع مؤشرات الأداء وسلامة المرضى ورضا متلقي الخدمة والعاملين.
هدفنا ليس منح شهادة، وإنما ترسيخ ثقافة تجعل الجودة ممارسة يومية داخل المنشآت الصحية.
الجودة تسبق التأمين الصحي الشامل إلى المحافظات
- كيف تستعد المحافظات الجديدة، وفي مقدمتها المنيا، للانضمام إلى منظومة التأمين الصحي الشامل؟
نحن لا ننتظر بدء تشغيل المنظومة حتى نبدأ العمل داخل المحافظات، بل نعمل مبكرًا على تأهيل المنشآت، وتدريب الكوادر، ونشر ثقافة الجودة.
واليوم حصلت 838 منشأة صحية في 26 محافظة على اعتماد الهيئة، وهو ما يعكس انتشار ثقافة الجودة خارج محافظات المرحلة الأولى.
أما محافظة المنيا، فهي تمثل أول اختبار للتوسع في المحافظات ذات الكثافة السكانية الكبيرة، ولذلك بدأنا منذ فترة مراجعة جاهزية المنشآت وتأهيلها، حتى تكون مستعدة لتقديم خدمة صحية متكاملة منذ اليوم الأول للتشغيل.
اقرأ ايضًا: 33 منشأة صحية جديدة تحصل على اعتماد “جهار”.. والمنيا تتصدر
بناء الإنسان قبل اعتماد المستشفى
- إلى أي مدى يعتمد نجاح الجودة على تدريب الكوادر؟
العنصر البشري هو أساس نجاح أي منظومة جودة.
ولهذا نظمت الهيئة 269 برنامجًا تدريبيًا استفاد منها أكثر من 34 ألف متدرب من مختلف التخصصات، كما أطلقت برامج لإعداد خبراء الجودة ونشر ثقافة سلامة المرضى بين شباب الأطباء، لأن الجودة تبدأ بالإنسان قبل أي شيء آخر.
مستقبل الرعاية الصحية في مصر… الجودة لم تعد اختيارًا
- واخيرًا: كيف ترون مستقبل جودة الرعاية الصحية في مصر؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد تطوير للمستشفيات، بل بناء نموذج جديد للرعاية الصحية يقوم على الجودة والحوكمة وسلامة المريض.
نجاح التأمين الصحي الشامل يعتمد على تكامل الأدوار بين جميع المؤسسات، مع الحفاظ على استقلال كل جهة، وهو ما يضمن الشفافية واستدامة التطوير.
وأؤمن أن التحدي الأكبر ليس بناء المستشفيات، بل ترسيخ ثقافة الجودة داخلها. فعندما تصبح الجودة جزءًا من الممارسة اليومية، ويصبح المريض محور جميع القرارات، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لمنظومة صحية تليق بالمواطن المصري.




