في الوقت الذي يمتلك فيه العالم لقاحات فعالة وعلاجات قادرة على إنقاذ ملايين المرضى، لا يزال التهاب الكبد الفيروسي يحصد أرواح نحو 1.3 مليون شخص سنويًا، ليبقى واحدًا من أخطر الأمراض المعدية التي تهدد الصحة العامة عالميًا.
ومع إحياء اليوم العالمي لالتهاب الكبد في 28 يوليو من كل عام، تجدد منظمة الصحة العالمية دعوتها إلى تسريع جهود الكشف المبكر والتوسع في التطعيم والعلاج، محذرة من أن العالم لا يزال بعيدًا عن تحقيق هدف القضاء على التهاب الكبد الفيروسي كتهديد للصحة العامة بحلول عام 2030.
مئات الملايين يعيشون مع المرض
تشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 287 مليون شخص كانوا يعيشون مع التهاب الكبد المزمن من النوعين B وC خلال عام 2024، بينما تسبب المرض في 1.3 مليون حالة وفاة، معظمها نتيجة مضاعفات يمكن الوقاية منها، مثل تليف الكبد وسرطان الكبد.
ويظل فيروسا التهاب الكبد B وC مسؤولين عن أكثر من 95% من الوفيات المرتبطة بالتهاب الكبد الفيروسي، ما يجعلهما محور الجهود الدولية للحد من عبء المرض.
لماذا تستمر الوفيات رغم توافر العلاج؟
لا ترى منظمة الصحة العالمية أن المشكلة تكمن في نقص اللقاحات أو الأدوية، بل في أن ملايين المصابين لا يعلمون بإصابتهم.
فالمرض غالبًا ما يتطور بصمت لسنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف في كثير من الحالات إلا بعد ظهور مضاعفات متقدمة، مثل تليف الكبد أو سرطان الكبد، وهو ما يقلل فرص العلاج المبكر ويزيد معدلات الوفاة.

تفاوت بين التهاب الكبد B وC
تكشف البيانات أن فيروس التهاب الكبد B تسبب في نحو 1.1 مليون وفاة خلال عام 2024، بزيادة بلغت 17% مقارنة بعام 2015، بينما تسبب التهاب الكبد C في نحو 240 ألف وفاة، بانخفاض يقدر بنحو 12%، وهو ما يعكس الأثر الإيجابي للعلاجات الحديثة التي تستطيع شفاء معظم المرضى عند اكتشاف الإصابة مبكرًا.
5 آلاف إصابة جديدة كل يوم
ورغم التقدم العلمي، لا يزال انتقال العدوى مستمرًا، إذ يسجل العالم ما يقرب من 5 آلاف إصابة جديدة يوميًا، أي ما يعادل نحو 1.8 مليون إصابة سنويًا، وهو ما يؤكد الحاجة إلى توسيع برامج الوقاية والكشف المبكر.
اللقاح موجود… لكن التغطية لا تزال غير كافية
يمثل التطعيم ضد التهاب الكبد B أحد أكثر وسائل الوقاية فاعلية، إلا أن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن 45% فقط من الأطفال حصلوا على الجرعة الأولى من اللقاح خلال أول 24 ساعة بعد الولادة في عام 2024، وهي نسبة لا تزال أقل من المستوى المطلوب للحد من انتقال العدوى، خاصة من الأم إلى طفلها.
فجوة في التشخيص والعلاج
ورغم توافر العلاجات، لا يزال ملايين المرضى خارج منظومة الرعاية الصحية، خصوصًا في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث لا يحصل كثير من المصابين بالتهاب الكبد B على العلاج المناسب، بينما لا يزال عدد كبير من مرضى التهاب الكبد C غير مشخصين أو لم يبدأوا العلاج بعد.
ويرى الخبراء أن الوصول إلى هدف القضاء على المرض لن يتحقق إلا من خلال توسيع الفحوصات الدورية، وزيادة معدلات التطعيم، وضمان إتاحة العلاج للجميع، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بأهمية الكشف المبكر.
الفحص المبكر… الطريق الأقصر للوقاية
ويؤكد الأطباء أن أخطر ما يميز التهاب الكبد الفيروسي هو تطوره الصامت، إذ قد يعيش المصاب سنوات طويلة دون أعراض، بينما يستمر المرض في إحداث تلف بالكبد.
ولهذا توصي الهيئات الصحية بإجراء الفحوصات الدورية للفئات الأكثر عرضة للإصابة، خاصة من تلقوا عمليات نقل دم في سنوات سابقة، أو خضعوا لإجراءات طبية غير آمنة، أو لديهم عوامل خطورة أخرى.
رسالة اليوم العالمي
يمثل اليوم العالمي لالتهاب الكبد فرصة لتأكيد أن القضاء على المرض لم يعد رهينًا باكتشاف أدوية جديدة، بل بقدرة الأنظمة الصحية على إيصال خدمات الوقاية، والتطعيم، والكشف المبكر، والعلاج إلى كل من يحتاجها.
فالرسالة الأهم هذا العام واضحة: كل إصابة تُكتشف مبكرًا، وكل طفل يحصل على التطعيم، وكل مريض يبدأ العلاج في الوقت المناسب، تمثل خطوة جديدة نحو عالم خالٍ من التهاب الكبد الفيروسي.




