في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي لالتهاب الكبد في 28 يوليو، تحت شعار “Hepatitis: Let’s Break It Down”، تقف التجربة المصرية باعتبارها واحدة من أبرز قصص النجاح في الصحة العامة على مستوى العالم، بعدما انتقلت من كونها الدولة الأعلى عالميًا في معدلات الإصابة بفيروس الالتهاب الكبدي «سي»، إلى أول دولة تحصل على الشهادة الذهبية من منظمة الصحة العالمية على مسار القضاء على المرض كمشكلة تهدد الصحة العامة.
لم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء نتيجة إرادة سياسية، وتخطيط علمي، واستراتيجية وطنية متكاملة، نجحت في إعادة رسم خريطة مكافحة الفيروسات الكبدية، لتصبح التجربة المصرية مرجعًا تستفيد منه العديد من دول العالم.
اقرأ ايضًا: فيروس سي في مصر.. كيف حققت الدولة إنجازًا عالميًا في القضاء على المرض؟
من أعلى معدلات الإصابة إلى الريادة العالمية
حتى سنوات قليلة مضت، كانت مصر من أكثر دول العالم معاناة من فيروس الالتهاب الكبدي «سي»، إذ تجاوزت معدلات الانتشار 10% بين السكان، ووصل عدد المصابين إلى ما يقرب من خمسة ملايين مواطن.
ومع إطلاق الدولة الخطة الوطنية لمكافحة الفيروسات الكبدية عام 2014، بدأت رحلة التحول، من خلال توفير أحدث الأدوية المضادة للفيروسات مجانًا، والتوسع في إنشاء مراكز التشخيص والعلاج بجميع المحافظات، بما يضمن وصول الخدمة لكل مواطن.
وفي عام 2016، شهدت المنظومة نقطة تحول جديدة مع توطين صناعة أدوية علاج فيروس «سي» داخل مصر، ما أسهم في خفض تكلفة العلاج وضمان استدامة توفيره لجميع المرضى.
ثم جاءت المبادرة الرئاسية “100 مليون صحة” عام 2018، لتشكل أكبر حملة مسح طبي في تاريخ البشرية، وتصبح نقطة الانطلاق الحقيقية نحو القضاء على الفيروس.
63 مليون مواطن خضعوا للفحص
نجحت المبادرة في إجراء الفحص لأكثر من 63 مليون مواطن خلال فترة زمنية قياسية، مع علاج أكثر من 4 ملايين مصاب بأحدث البروتوكولات العلاجية، محققة نسب شفاء تجاوزت 98%، في واحدة من أكبر عمليات التدخل الصحي الجماعي عالميًا.
ولم تتوقف التجربة المصرية عند حدود الداخل، بل امتدت إلى القارة الأفريقية، من خلال نقل الخبرات الفنية، وتقديم الدعم للدول الشقيقة في مجالات التشخيص والعلاج، لترسخ مصر مكانتها كشريك رئيسي في تعزيز الأمن الصحي بالقارة.
شهادة ذهبية وإنجاز تاريخي
وفي أكتوبر 2023، تسلمت مصر رسميًا الشهادة الذهبية من منظمة الصحة العالمية، لتصبح أول دولة في العالم تحقق أعلى مستويات التحقق من القضاء على فيروس «سي» كتهديد للصحة العامة، وهو إنجاز وصفته المنظمة بأنه نموذج عالمي يحتذى به.
حسام عبدالغفار: التجربة المصرية أصبحت مرجعًا عالميًا
وقال الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، إن رحلة مصر في القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي «سي» لم تكن مجرد نجاح صحي، وإنما نموذج متكامل أثبت أن الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر والعلاج المجاني قادر على تغيير الواقع الصحي بالكامل.
وأضاف أن ما تحقق يعكس رؤية الدولة في بناء منظومة صحية حديثة تعتمد على العدالة في تقديم الخدمات، مشيرًا إلى أن التجربة المصرية أصبحت اليوم محل دراسة واستفادة من قبل العديد من الدول والمنظمات الدولية.
وأكد أن الدولة مستمرة في الحفاظ على هذا الإنجاز من خلال برامج المتابعة، والتوسع في خدمات الكشف المبكر، وتعزيز الوعي المجتمعي، بما يضمن استمرار السيطرة على الفيروس وتحقيق أهداف التنمية الصحية المستدامة.

محمد حساني: المبادرات الرئاسية غيرت مفهوم الصحة العامة
من جانبه، أكد الدكتور محمد حساني، مساعد وزير الصحة لشؤون مبادرات الصحة العامة، أن المبادرات الرئاسية، وفي مقدمتها “100 مليون صحة”، أحدثت تحولًا جذريًا في مفهوم الصحة العامة داخل مصر، بعدما انتقلت من علاج المرض إلى الاكتشاف المبكر والوقاية.
وأوضح أن المبادرة اعتمدت على قاعدة بيانات قومية، ومنظومة إلكترونية متكاملة، وآليات متابعة دقيقة، بما ساعد على الوصول إلى ملايين المواطنين في مختلف المحافظات، وتقديم خدمات الفحص والعلاج مجانًا وفق أعلى المعايير العالمية.
وأشار إلى أن نجاح التجربة المصرية لم يقتصر على القضاء على فيروس «سي»، بل أصبح نموذجًا يمكن تطبيقه في مواجهة الأمراض المزمنة وغير السارية، وهو ما عزز مكانة مصر كواحدة من الدول الرائدة في تنفيذ المبادرات الصحية واسعة النطاق.
رسالة للعالم في اليوم العالمي
ويأتي الاحتفال باليوم العالمي لالتهاب الكبد هذا العام في وقت تؤكد فيه منظمة الصحة العالمية أن القضاء على الفيروسات الكبدية لم يعد حلمًا، بل هدفًا قابلًا للتحقيق إذا توافرت الإرادة السياسية، والاستثمار في الوقاية، والتوسع في خدمات الفحص والعلاج، وهي الرسالة التي جسدتها التجربة المصرية على أرض الواقع، لتصبح قصة نجاح تلهم العالم في مكافحة أحد أخطر الأمراض الفيروسية.



