تقرير: حنين عبدالوهاب
حذّرت منظمة الصحة العالمية من أن دخان حرائق الغابات لم يعد مجرد أثر جانبي للكوارث الطبيعية، بل أصبح أزمة صحية متفاقمة تتجاوز حدود المناطق التي تندلع فيها النيران، مع ازدياد موجات الحر وحرائق الغابات في جنوب أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
وأكدت المنظمة أن التأثيرات الصحية للدخان قد تمتد لمئات، بل آلاف الكيلومترات بعيدًا عن مواقع الحرائق، ما يؤدي إلى تدهور جودة الهواء في المدن والمناطق المأهولة بالسكان، ويعرض ملايين الأشخاص لمخاطر صحية حتى وإن لم يشاهدوا ألسنة اللهب أو أعمدة الدخان.
وتشهد عدة دول أوروبية، بينها إسبانيا واليونان والبرتغال، واحدًا من أكثر مواسم حرائق الغابات شدة خلال السنوات الأخيرة، حيث تسببت الحرائق في عمليات إجلاء واسعة، وخسائر بشرية ومادية، إلى جانب ضغوط متزايدة على أنظمة الرعاية الصحية.
اقرا ايضًا: الصحة العالمية تدق ناقوس الخطر: الأنظمة الصحية في الشرق الأوسط “تترنح” تحت وطأة التصعيد
دخان الحرائق.. خطر يتجاوز مناطق الاشتعال
توضح منظمة الصحة العالمية أن الخطر الحقيقي لا يقتصر على النيران، وإنما يمتد مع الدخان المحمل بجزيئات دقيقة وغازات وملوثات سامة تنتقل عبر الرياح لمسافات بعيدة، لتؤثر في جودة الهواء حتى داخل المدن الكبرى.
وتؤكد المنظمة أن التعرض لهذا الدخان قد يحدث حتى في المناطق التي لا تظهر فيها الحرائق بشكل مباشر، ما يجعل ملايين السكان عرضة للاستنشاق المستمر للملوثات دون إدراك حجم الخطر.
ماذا يحتوي دخان حرائق الغابات؟
بحسب منظمة الصحة العالمية، يتكون دخان حرائق الغابات من مزيج معقد من:
- الجسيمات الدقيقة (PM2.5) القادرة على اختراق الرئتين والوصول إلى مجرى الدم.
- أول أكسيد الكربون.
- أكاسيد النيتروجين.
- المركبات العضوية المتطايرة.
- مواد كيميائية سامة تنتج عن احتراق البلاستيك والدهانات والأجهزة الإلكترونية والمنشآت.
وتشير المنظمة إلى أن هذه الجسيمات قد تؤدي إلى تنشيط الاستجابة الالتهابية داخل الجسم، بما يزيد من احتمالات الإصابة بمضاعفات تنفسية وقلبية خطيرة.
من الأكثر عرضة للخطر؟
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن بعض الفئات تواجه مخاطر أعلى عند التعرض لدخان الحرائق، وتشمل:
- مرضى الربو.
- المصابين بمرض الانسداد الرئوي المزمن.
- مرضى القلب والأوعية الدموية.
- الأطفال.
- كبار السن.
- الحوامل.
- الأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة.
وتحذر المنظمة من أن الأعراض قد تبدأ بتهيج العينين والحلق والسعال وضيق التنفس، لكنها قد تتطور لدى الفئات الأكثر هشاشة إلى نوبات ربو حادة أو مضاعفات قلبية تستدعي التدخل الطبي العاجل.

توصيات صحية للحد من التعرض
دعت منظمة الصحة العالمية السكان إلى اتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية خلال فترات تدهور جودة الهواء، من بينها:
- البقاء داخل المباني قدر الإمكان عند ارتفاع مستويات التلوث.
- إغلاق النوافذ والأبواب.
- تقليل الأنشطة البدنية في الهواء الطلق.
- متابعة مؤشرات جودة الهواء بشكل يومي.
- استخدام أجهزة تنقية الهواء أو أنظمة الترشيح عالية الكفاءة عند توافرها.
وفي الوقت نفسه، شددت المنظمة على ضرورة توفير أماكن عامة ذات هواء نقي للفئات التي لا تمتلك وسائل الحماية داخل منازلها، مع ضمان وصول المعلومات الصحية لجميع السكان، بمن فيهم كبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة والمهاجرون.
عبء إضافي على أنظمة الرعاية الصحية
وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن موجات دخان الحرائق لا تؤثر فقط في صحة الأفراد، بل تمثل تحديًا متزايدًا أمام أنظمة الرعاية الصحية، نتيجة ارتفاع أعداد المرضى الذين يحتاجون إلى خدمات الطوارئ والرعاية التنفسية والقلبية خلال فترات تلوث الهواء.
وأكدت المنظمة أهمية تدريب العاملين في القطاع الصحي على التعامل مع آثار تلوث الهواء الناتج عن الحرائق، وتطوير خطط الاستجابة للطوارئ المناخية، بحيث يصبح البعد الصحي جزءًا أساسيًا من خطط إدارة الكوارث.
أزمة تتفاقم مع تغير المناخ
ترى منظمة الصحة العالمية أن تزايد موجات الحر والجفاف المرتبطة بتغير المناخ يؤدي إلى زيادة شدة حرائق الغابات واتساع نطاقها، ما يجعل تأثيراتها الصحية أكثر تكرارًا واتساعًا عامًا بعد آخر.
وتؤكد المنظمة أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب دمج السياسات البيئية مع السياسات الصحية، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ورفع جاهزية القطاع الصحي، إلى جانب تكثيف حملات التوعية لحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
وبحسب المنظمة، فإن حماية الصحة العامة لم تعد تقتصر على إخماد الحرائق، بل تشمل أيضًا الحد من التعرض لدخانها، باعتباره أحد أخطر ملوثات الهواء التي تهدد صحة ملايين الأشخاص حول العالم.



