أحمد إمام رئيس التحرير يكتب :
ليست كل المشاهد التي تمر أمام أعيننا عبر شاشات التلفزيون تُنسى بانتهاء بثها، فبعضها لا يغادر الذاكرة، لأنه لا يخاطب البصر وحده، بل يهز الوجدان ويوقظ في النفس إيمانها بالإنسان.
قبل أيام، بثت إحدى القنوات الفضائية مقطع فيديو من داخل غرفة عمليات في أحد المستشفيات باليابان..لم يكن المشهد فيلما دراميا ، ولا قصة نسجها خيال كاتب بارع، بل كان واقعا حيًا سجلته عدسة كاميرا لم تعرف أنها ستوثق واحدة من أبلغ صور الوفاء للرسالة الإنسانية.
فبينما كان الجراحون يواصلون إجراء عملية دقيقة لمريض يرقد تحت تأثير التخدير، ضرب زلزال عنيف بلغت قوته 7.1 ريختر، فاهتزت الأرض بعنف، وارتجفت الجدران، وتحركت الأجهزة الطبية والمعدات في كل اتجاه، حتى بدا المكان وكأنه يصارع غضب الطبيعة.
في تلك اللحظات، حبس المشاهدون أنفاسهم ، وكانت الكاميرا ترصد كل شيء، لكنها التقطت ما هو أكبر من الزلزال نفسه..فما هو هذا الشيء؟
لم تُظهر رجالا ونساء يفرون بحثا عن النجاة، ولم تُسجل وجوها استسلمت للفزع، بل وثقت قلوبا انتصرت على الخوف ، رأينا الأطباء والممرضين يندفعون جميعا نحو سرير العمليات، يتشبثون بالمريض بكل ما أوتوا من قوة، يحاولون تثبيت السرير، وحماية الجسد المسجى عليه من السقوط أو الارتطام، غير عابئين بما قد يصيبهم هم من خطر ، فالأجهزة تهتز بقوة وبعضها سقط علي الأرض وتطايرت في أرجاء الغرفة،ناهيك عن سقوط عدد من المتواجدين في غرفة العمليات من الفرق الطبية علي الأرض.
وفي خضم هذه الأحداث كان المريض، الغارق في غيبوبة التخدير، لا يعلم أن الموت ربما كان يمر من جواره، ولا يدرك أن هناك من جعل جسده أولويةً على أجسادهم، وحياته أغلى من سلامتهم ، لقد نسي هؤلاء أنفسهم، لأنهم تذكروا رسالتهم.
وهنا يتجلى الفرق بين من يمارس مهنة، ومن يحمل رسالة ، فالطب ليس وصفات تُكتب، ولا مشرطًا يقطع، ولا أجهزة حديثة تملأ غرف العمليات، وإنما هو ضمير حي، ورحمة تسكن القلب قبل أن تسكن اليد. وما قيمة العلم إذا فر صاحبه عند أول اختبار؟ وما جدوى القسم الذي يؤديه الطبيب إن لم يظهر أثره ساعة الخطر؟
لقد كان بإمكان أولئك الأطباء وفريق التمريض أن يتركوا كل شيء ويهرعوا إلى خارج الغرفة، فهم بشر يخافون كما يخاف غيرهم، ولهم أسر تنتظر عودتهم سالمين ، لكنهم في تلك اللحظة لم ينظروا إلى أنفسهم، بل نظروا إلى إنسان ائتمنهم على حياته، وهو عاجز حتى عن فتح عينيه أو مد يده ليستغيث.
ذلك هو المعنى الحقيقي للأمانة.
ولعل أعظم ما في هذا المشهد أن البطولة فيه لم تكن صاخبة ، لم يرفع أحد صوته، ولم يلتفت أحد إلى الكاميرا، ولم يكن هناك من يبحث عن تصفيق أو شهرة ، كانوا يؤدون واجبهم في صمت، وكأن التضحية بالنسبة إليهم أمر طبيعي، بينما كانت العدسة تنقل إلى العالم درسا في الشرف المهني لا يمكن أن تشرحه آلاف الكلمات.
إن الحضارة لا تُقاس فقط بما تملكه الأمم من تقنيات تقاوم الزلازل، بل بما تغرسه في نفوس أبنائها من قيم تجعل الإنسان يقدم واجبه على خوفه، ورسالته على مصلحته .. فالمباني قد تصمد أمام الهزات، لكن الذي يمنح المجتمعات عظمتها حقا هو ثبات الضمائر حين تهتز الأرض.
ذلك الفيديو لم يكن مجرد خبر عابر، بل رسالة صامتة تقول إن الإنسانية لا تزال بخير، وإن في هذا العالم رجالا ونساءً إذا دهم الخطر المكان، وقفوا بينه وبين من استودعهم حياته، غير عابئين بما قد يصيبهم.
سلام على كل طبيب وممرض جعل من الرحمة ميثاقا، ومن الأمانة عهدا ، ومن إنقاذ الإنسان رسالة لا تتغير بتغير الظروف.
وسلام على تلك الأيدي التي أمسكت بسرير مريض، بينما كانت الأرض كلها تتخلى عن ثباتها وتعلن غضبها عليهم .
فقد اهتزت اليابان في ذلك اليوم… لكن شيئا واحدًا لم يهتز أبدًا: وهو : ضمير أصحاب الرسالة.



