«الصحة» تغلق 13 مركزًا بالبدرشين.. ومخالفات تشمل غياب التراخيص وقصور مكافحة العدوى والتعامل مع النفايات الخطرة
لم يعد الإعلان عن إغلاق مركز غير مرخص لعلاج الإدمان والطب النفسي واقعة استثنائية؛ إذ تكشف الحملات الرقابية من وقت إلى آخر عن منشآت تعمل خارج الإطار القانوني، ثم تعود القضية إلى الواجهة مع ضبط مراكز جديدة، بما يطرح سؤالًا يتجاوز المخالفات الفردية: لماذا يستمر ظهور مصحات الإدمان غير المرخصة رغم حملات التفتيش والإغلاق؟
أحدث الوقائع جاءت في مركز البدرشين بمحافظة الجيزة، حيث أعلنت وزارة الصحة والسكان إغلاق 13 مركزًا غير مرخص لعلاج الإدمان والطب النفسي، خلال حملة تفتيشية مشتركة نفذتها الجهات المختصة بوزارة الصحة والمجلس القومي للصحة النفسية.
وبحسب بيان الوزارة، لم تقتصر المخالفات على أوراق أو إجراءات إدارية ناقصة، وإنما شملت مزاولة النشاط دون ترخيص، وغياب المدير الفني، والقصور في إجراءات مكافحة العدوى، وعدم توافر التجهيزات اللازمة، وغياب السجلات المنتظمة، إلى جانب مخالفات في التعامل مع النفايات الخطرة.
وهنا تتجاوز القضية مخالفة شروط الترخيص إلى مستوى أكثر خطورة يتعلق بسلامة المرضى أنفسهم، خصوصًا أن علاج الإدمان يتعامل مع حالات قد تحتاج إلى متابعة طبية ونفسية دقيقة، لا سيما خلال مرحلة الانسحاب من المواد المخدرة وما قد يصاحبها من مضاعفات.
13 مركزًا في حملة واحدة
وقال الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي لوزارة الصحة والسكان، إن الحملة أسفرت عن ضبط وإغلاق عدد من مراكز الـ«ديتوكس» و«هاف واي» التي تعمل دون الحصول على التراخيص الرسمية اللازمة.
وتكشف طبيعة هذه المنشآت عن تنوع الخدمات التي تقدم تحت مظلة علاج الإدمان، بداية من إزالة السموم والتعامل مع أعراض الانسحاب، وصولًا إلى التأهيل والإقامة الانتقالية في مراحل التعافي.
وهذا التنوع يجعل الرقابة أكثر أهمية؛ فكل مرحلة علاجية لها متطلبات مهنية وطبية محددة، ولا يكفي توفير مكان لإقامة المرضى أو الإعلان عن برنامج للتعافي حتى تصبح المنشأة مؤهلة لتقديم خدمات علاج الإدمان.
وأكد الدكتور هشام زكي، رئيس الإدارة المركزية للمؤسسات العلاجية غير الحكومية والتراخيص، اتخاذ الإجراءات القانونية حيال المراكز المخالفة، مع استمرار الحملات الرقابية بمختلف المحافظات.
لماذا تتكرر المصحات غير المرخصة؟
تكرار وقائع الإغلاق يستحق التوقف عنده؛ فكلما اتسع الطلب على خدمات علاج الإدمان، أصبحت السوق أكثر جذبًا لمقدمي الخدمة، ومن بينهم منشآت قد تعمل بعيدًا عن الاشتراطات القانونية والطبية المنظمة لهذا النشاط.
ولا تتوافر في البيان الرسمي بيانات تسمح بالجزم بأن «المكسب السريع» يمثل الدافع وراء انتشار هذه المراكز، لكن تكرار الوقائع يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل تحول الطلب المتزايد على علاج الإدمان إلى سوق تجذب بعض غير المؤهلين أو الباحثين عن الربح بعيدًا عن تكلفة وضوابط التشغيل القانوني؟
فالمنشأة المرخصة مطالبة باستيفاء متطلبات تتعلق بالمكان والتجهيزات والكوادر والإشراف الطبي ومكافحة العدوى وتوثيق الحالات وغيرها من الاشتراطات. وفي المقابل، قد يعني العمل خارج المنظومة الرسمية تجاوز جانب من هذه الالتزامات، بما قد يخفض تكلفة التشغيل، ولكن على حساب جودة الخدمة وسلامة المريض.
ومن هنا، لا تصبح المشكلة مجرد «مركز بلا ترخيص»، وإنما تثير احتمال وجود سوق موازية لعلاج الإدمان تستفيد من حاجة الأسر الملحة إلى العلاج ومن صعوبة تقييم غير المتخصصين للمستوى الطبي الحقيقي للمنشأة.

أسر تبحث عن حل سريع
قرار علاج مريض الإدمان يأتي في كثير من الأحيان في ظروف أسرية شديدة الصعوبة، وقد تكون الأسرة أمام حالة تحتاج إلى تدخل سريع، فتبدأ رحلة البحث عن مكان يستقبل المريض ويبدأ علاجه في أقرب وقت.
هذه اللحظة قد تمثل إحدى نقاط الضعف التي تستفيد منها المنشآت غير المرخصة.
فالإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي، وصور الغرف، وشهادات المتعافين، والوعود بالسرية أو النتائج السريعة، جميعها لا تثبت أن المنشأة مرخصة، ولا تضمن أن البرنامج العلاجي يجري تحت إشراف فريق طبي مؤهل.
وقد لا تكتشف الأسرة حقيقة المكان ومستوى الخدمة إلا بعد إيداع المريض بالفعل.
مخالفات تمس سلامة المرضى
وأكد الدكتور أحمد النحاس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية للمجلس القومي للصحة النفسية، أن المراكز المضبوطة خالفت أحكام قانون تنظيم المنشآت الطبية غير الحكومية رقم 51 لسنة 1981 المعدل بالقانون رقم 153 لسنة 2004، وقانون الصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009، إلى جانب اشتراطات مكافحة العدوى وقانون البيئة، بما يمثل خطرًا على النزلاء.
وتكشف طبيعة المخالفات لماذا لا ينبغي اختزال القضية في مجرد «ورقة ترخيص».
فغياب المدير الفني يرتبط مباشرة بالمسؤولية المهنية عن الخدمة، وعدم توافر التجهيزات اللازمة قد يؤثر في قدرة المنشأة على التعامل مع الحالات ومضاعفاتها، بينما يمثل القصور في مكافحة العدوى خطرًا صحيًا مباشرًا، ويثير غياب السجلات المنتظمة تساؤلات حول توثيق الحالات ومتابعة مسارها العلاجي.
وفي منشأة تتعامل مع مرضى الإدمان والصحة النفسية، تصبح معايير الأمان، وحقوق المريض، والإشراف المتخصص والرقابة الطبية جزءًا من العلاج نفسه وليست مجرد اشتراطات تنظيمية.
الإغلاق وحده.. هل يكفي؟
إغلاق المنشآت المخالفة يمثل خطوة أساسية لحماية المرضى، لكن تكرار عمليات الضبط يطرح سؤالًا آخر: هل تكفي الرقابة التي تنتهي بإغلاق المركز بعد تشغيله، أم يحتاج الملف إلى إجراءات تمنع نشأة هذه المراكز واستمرارها من الأساس؟
المواجهة الأكثر فاعلية قد تتطلب رصد الإعلانات التي تروج لمنشآت غير مرخصة، وتسهيل قدرة المواطنين على التحقق من قانونية المنشأة قبل التعامل معها، ومتابعة الأماكن التي سبق إغلاقها لمنع إعادة تشغيلها بالمخالفة للقانون، إلى جانب تطبيق الإجراءات القانونية على المسؤولين عنها.
وتبرز هنا أهمية إتاحة قاعدة بيانات رسمية ومحدثة وسهلة الاستخدام للمنشآت المرخصة لعلاج الإدمان والصحة النفسية، بما يسمح للأسرة بالتحقق من المركز قبل اتخاذ قرار قد تكون له آثار مباشرة على حياة المريض وسلامته.
زيادة الطلب وسوق علاج الإدمان
ولا يمكن فصل القضية عن حجم الطلب على خدمات علاج الإدمان؛ فكلما ازدادت الحاجة إلى العلاج، أصبحت قدرة المنظومة الرسمية على توفير خدمات آمنة ومتاحة عنصرًا أساسيًا في مواجهة السوق غير المرخصة.
ولهذا، فإن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يكون ملفًا رقابيًا فقط، بل جزءًا من سياسة أوسع تجمع بين إغلاق الخدمة غير الآمنة وتوسيع الوصول إلى البديل المرخص والموثوق.
فوجود فجوة بين أعداد الباحثين عن العلاج وبين الخدمات القانونية المتاحة والمناسبة من حيث التوزيع الجغرافي والتكلفة والطاقة الاستيعابية قد يوفر مساحة تتحرك فيها منشآت غير مؤهلة.
لكن تحديد حجم هذه الفجوة يحتاج إلى بيانات رسمية حول أعداد طالبي العلاج والطاقة الاستيعابية للمنشآت المرخصة وتوزيعها الجغرافي.
الأسرة خط الدفاع الأول
ودعا المجلس القومي للصحة النفسية المواطنين إلى التأكد من ترخيص أي منشأة قبل التوجه إليها، وهي خطوة شديدة الأهمية في ظل تنوع الجهات التي تعلن عن تقديم خدمات علاج الإدمان.
ولا ينبغي أن يكون السعر أو شهرة اسم المركز على مواقع التواصل أو الوعود بسرعة التعافي معيارًا كافيًا للاختيار؛ بل يجب السؤال عن الترخيص، والإشراف الطبي، ومؤهلات الفريق العلاجي، وطبيعة البرنامج المقدم، وحقوق المريض، وكيفية التعامل مع الحالات الطارئة والمضاعفات.
وخصص المجلس القومي للصحة النفسية الرقم 01207474740 لتلقي الشكاوى والاستفسارات عبر الاتصال أو «واتساب».
ملف يحتاج إلى ما بعد الإغلاق
إغلاق 13 مركزًا غير مرخص في البدرشين يمثل إجراءً رقابيًا مهمًا، لكنه في الوقت نفسه مؤشر يستحق قراءة أوسع.
فتكرار أخبار ضبط وإغلاق مصحات علاج الإدمان يفرض الحاجة إلى معرفة حجم السوق التي تعمل خارج المنظومة الرسمية، وكيف تصل هذه المراكز إلى المرضى، وما حجم الطلب على خدماتها، وهل تعود بعض المنشآت المغلقة إلى النشاط مرة أخرى بأسماء أو مقرات مختلفة، ومدى كفاية الطاقة العلاجية المرخصة لاستيعاب الاحتياجات الفعلية.
الإجابة عن هذه الأسئلة بالبيانات يمكن أن تحدد ما إذا كنا أمام مخالفات متفرقة، أم أمام سوق موازية لعلاج الإدمان تحتاج إلى استراتيجية تتجاوز حملات الإغلاق المتتابعة.
وفي الحالتين تبقى الحقيقة الأساسية أن مريض الإدمان يحتاج إلى العلاج، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى الحماية من أن تتحول أزمته وحاجة أسرته إلى فرصة لتقديم خدمة علاجية خارج القانون ودون ضمانات كافية للسلامة.




