نجا الطفلان.. وبقي سؤال الأم

بقلم : أ.د عمرو حسن

في مستشفى ساقلتة بسوهاج، بدأت حياتان في اللحظة نفسها التي انتهت فيها حياة. امرأة شابة في السادسة والعشرين، كانت تستعد لاستقبال طفليها التوأم خلال أيام، وصلت إلى المستشفى وقد فارقت الحياة بحسب ما أعلنته وزارة الصحة، بينما كشف الفحص عن استمرار وجود نبض لدى الجنينين. تحرك الفريق الطبي سريعًا، وأُجريت ولادة عاجلة، وخرج الطفلان إلى الحياة، ثم انتقلا إلى الحضانة لاستكمال الرعاية. وتستحق سرعة استجابة الفريق الطبي والتمريضي كل التقدير؛ ففي مثل هذه المواقف لا تكون الدقيقة مجرد وحدة لقياس الزمن، بل قد تصبح جزءًا من العلاج نفسه.

لكن إذا انتهت القصة عند عنوان «إنقاذ توأم من أم متوفاة»، فإننا نكون قد رأينا نصفها فقط. الطفلان نجوا، وهذا خبر يستحق الفرح، لكن المرأة التي حملتهما لم تنجُ.

وفي صحة المرأة لا ينبغي أن تختفي الأم خلف سلامة مولودها؛ فالمرأة ليست مجرد طريق يعبر منه طفل إلى الحياة، وإنما إنسان له حق مستقل في الحياة والصحة والرعاية. نجاح الولادة لا يكتمل فقط بطفل يخرج حيًا، بل بأم تعود معه إلى بيتها.

ومن هنا يبدأ السؤال الأهم في واقعة ساقلتة. ليس: من أخطأ؟ وليس: من الذي ينبغي أن نلومه؟ فالمعلومات المنشورة حتى الآن لا تسمح بإصدار مثل هذا الحكم. السؤال العلمي والمسؤول هو: ماذا حدث لهذه المرأة؟ ما السبب الحقيقي للوفاة؟ وما سلسلة الأحداث التي سبقتها؟ وهل تحمل هذه الوفاة معلومة تستطيع أن تمنع وفاة امرأة أخرى؟

هذا السؤال يكتسب أهمية أكبر عندما نضع حالة واحدة إلى جوار الصورة المصرية كاملة. فبحسب البيانات الرسمية لوزارة الصحة والسكان عن وفيات الأمهات خلال عام 2025، سُجلت 867 وفاة أمومة من بين نحو 1.952 مليون مولود حي، بمعدل بلغ 44.4 وفاة لكل مائة ألف مولود حي. والأرقام ضرورية، فلا يمكن تحسين ما لا نستطيع قياسه، لكن الرقم 867 لا يعني 867 خانة في جدول؛ إنه يعني 867 امرأة، ولكل واحدة منهن اسم وحياة وأسرة وربما أطفال انتظروا عودتها.

وتكشف البيانات نفسها أين تتركز بعض أهم المخاطر. فقد جاء النزيف المرتبط بالولادة في مقدمة مجموعات الأسباب المباشرة، مسجلًا 244 وفاة، تمثل 28.1% من إجمالي وفيات الأمهات خلال عام 2025. وسجلت أمراض ضغط الدم أثناء الحمل 132 وفاة، بنسبة 15.2%، بينما سجلت العدوى الميكروبية 87 وفاة، بنسبة 10%، والإجهاض 46 وفاة، بنسبة 5.3%. وبلغ مجموع الوفيات المصنفة ضمن الأسباب المباشرة 682 وفاة، بما يمثل 78.7% من إجمالي وفيات الأمهات المسجلة.

ومشكلة وفيات الأمهات اليوم ليست أننا لا نعرف شيئًا عن أسبابها. نحن نعرف الكثير. نعرف كيف نعالج النزيف، وكيف نتعرف إلى اضطرابات ضغط الدم، وكيف نواجه العدوى، وكيف ندير كثيرًا من حالات الطوارئ التي كانت قبل عقود تعني وفاة شبه مؤكدة. ولذلك يصبح السؤال أصعب وأكثر أهمية: إذا كانت المعرفة موجودة، فأين تضيع بعض فرص النجاة؟

أحيانًا تبدأ قصة الوفاة قبل باب المستشفى. قد تبدأ بعرض لم تدرك المرأة أو الأسرة أهميته، أو بتأخر طلب المساعدة، أو بصعوبة النقل، أو بطول المسافة، أو بالوصول إلى منشأة تحتاج الحالة إلى مستوى أعلى من الرعاية. وقد تبدأ المشكلة بعد الدخول إلى المستشفى، عندما تحتاج الحالة إلى أن تتحرك عدة أجزاء من النظام في وقت واحد: النساء والتوليد، والطوارئ، والتخدير، والعناية المركزة، وحديثو الولادة، والتمريض، وبنك الدم، والإحالة. وقد لا يكون هناك تأخر من الأساس وتكون المضاعفة شديدة ومفاجئة رغم أفضل رعاية ممكنة. ولهذا فمراجعة وفاة الأم يجب أن تبدأ بالحقائق لا بالافتراضات.

وتكتسب واقعة ساقلتة أهمية خاصة لأن الفريق واجه توقفًا للدورة الدموية لدى امرأة في حمل متقدم بينما لا تزال هناك علامات حياة لدى الجنينين. وفي مثل هذه الظروف تنظر الإرشادات الحديثة إلى الولادة العاجلة باعتبارها جزءًا من عملية الإنعاش نفسها في الحالات التي تنطبق عليها المعايير، وليس فقط وسيلة لإنقاذ الجنين؛ لأن إفراغ الرحم يمكن أن يحسن ظروف الدورة الدموية أثناء محاولة إنعاش الأم. ولهذا يصبح توثيق الزمن في مثل هذه الحالات بالغ الأهمية: متى بدأ فقدان الوعي؟ متى فُقد النبض؟ متى بدأ الإنعاش؟ ومتى تم اتخاذ القرار والتدخل؟ وتختلف الروايات الصحفية في بعض هذه التفاصيل، ولذلك يظل السجل الطبي هو المرجع العلمي الحقيقي لإعادة بناء ما حدث.

ومن هنا تأتي أهمية مراجعة كل وفاة أم بصورة علمية منظمة. الهدف ليس إنتاج ملف أكثر سمكًا، وليس البحث عن شخص نلقي عليه اللوم، وإنما إعادة بناء رحلة المرأة كاملة. ماذا حدث؟ متى حدث؟ ما الذي جرى بصورة جيدة؟ أين كانت نقاط القوة؟ وهل كانت هناك نقطة يمكن تحسينها؟ ثم، والأهم، ماذا سيتغير بعد المراجعة؟

فهناك فرق كبير بين أن نكتب تقريرًا يفسر لماذا ماتت امرأة، وبين أن نحول ما تعلمناه إلى تغيير يمنع وفاة امرأة أخرى. إذا كشفت المراجعة عن مشكلة في سرعة توفير الدم، فالقيمة الحقيقية للمراجعة هي إصلاح المسار الذي يصل به الدم إلى المريضة. وإذا كشفت عن تأخر اكتشاف اضطرابات ضغط الدم، فالقيمة هي تطوير المتابعة والتدريب. وإذا كانت المشكلة في الإحالة، فالاستجابة هي تحسين شبكة الإحالة. المعرفة التي لا تغير الممارسة تظل معرفة ناقصة.

لكن التعلم في صحة الأم لا ينبغي أن ينتظر وقوع الوفاة. هناك نساء يصلن إلى حافة الموت ثم ينجون: امرأة تنزف بشدة ويتم إنقاذها، وأخرى تعاني تسمم حمل شديدًا، وثالثة تدخل العناية المركزة، ورابعة تحتاج إلى نقل كميات كبيرة من الدم، ثم تعود في النهاية إلى بيتها. هذه الحالات، المعروفة بحالات النجاة من الوفاة الوشيكة للأمهات – Maternal Near Miss، ربما تكون من أغنى مصادر التعلم التي يمكن لأي نظام صحي أن يمتلكها.

ولهذا أتمنى أن نبدأ خطوة عملية بسيطة وقابلة للتنفيذ: تسجيل ومراجعة حالات الـMaternal Near Miss بصورة منهجية، على الأقل في مرحلة أولى داخل المستشفيات الجامعية الكبرى. فالمستشفيات الجامعية تستقبل بطبيعتها أعدادًا كبيرة من الحالات الحرجة والمعقدة والمحولة من مستويات مختلفة من الرعاية، وفيها فرق متعددة التخصصات، كما أن وظيفتها لا تقتصر على العلاج، وإنما تشمل التعليم والتدريب والبحث أيضًا. ولذلك يمكن أن تكون نقطة بداية مناسبة لنظام يتعلم من الحالات الشديدة قبل أن تتحول إلى وفيات.
ولا أقصد مجرد إضافة خانة جديدة إلى سجل المستشفى. المطلوب أن نعرف في كل حالة شديدة: ماذا حدث؟ كيف اقتربت المرأة من الوفاة؟ ما التدخل الذي أنقذها؟ هل كان هناك تأخير؟ وما الذي جرى بصورة صحيحة ونريد تكراره؟ ثم تتم مراجعة هذه الحالات بصورة دورية بواسطة فرق النساء والتوليد والتخدير والعناية المركزة والطوارئ والتمريض وبنك الدم، بحيث تتحول القصص الفردية إلى دروس في التدريب والبروتوكولات والاستعداد للطوارئ.

ويمكن البدء بعدد محدود من المستشفيات الجامعية كنموذج تجريبي، بسجل موحد ومجموعة مؤشرات واضحة وآلية منتظمة للمراجعة، ثم تقييم النتائج والتوسع تدريجيًا إذا أثبت النموذج فائدته. لا نحتاج إلى انتظار وفاة الأم حتى نتعلم؛ فالمرأة التي عادت من حافة الموت قد تكون أقدر الحالات على أن تخبر النظام الصحي أين كاد أن يفقدها، وأين نجح في إنقاذها.

ولهذا فإن الانتقال من عد الوفيات إلى منع الوفيات لا يعني أن نتوقف عن القياس؛ بل يعني أن نجعل للرقم نتيجة. إذا كان النزيف يمثل أكثر من ربع الوفيات المسجلة، فماذا سنفعل بشأن الاستعداد للنزيف؟ وإذا كانت أمراض ضغط الدم أثناء الحمل تمثل 15.2%، فماذا سنفعل بشأن الاكتشاف المبكر والاستجابة السريعة؟ وإذا كانت 44.3% من الوفيات تقع خلال نفاس الولادة، فكيف سنجعل متابعة ما بعد الولادة أكثر قدرة على اكتشاف الخطر قبل فوات الأوان؟

وتستحق واقعة ساقلتة أن تُروى كقصة نجاح طبي، لكنها تستحق أيضًا ألا تنتهي بانتهاء دورة الأخبار. لقد رأى الفريق الطبي نبضًا لدى طفلين وتعامل معه باعتباره فرصة للحياة. ويمكن لوفاة أمهما، إذا درست بهدوء ودقة، أن تصبح هي الأخرى فرصة للحياة، ولكن لامرأة أخرى لم نلتق بها بعد.

الأم لن تعود، وهذه أكثر حقائق القصة قسوة. لكن الطب يملك نوعًا آخر من الوفاء لمن لا يستطيع إعادتهم: أن يتعلم منهم. فكل وفاة أم تحمل سؤالًا، وكل حالة نجاة تحمل درسًا، وكل إجابة علمية صادقة يجب أن تنتهي بفعل.

إنقاذ طفل عند الولادة نجاح عظيم؛ أما الأمومة الآمنة، فنجاحها الكامل أن يعود الطفل وأمه إلى البيت معًا.

أ.د/ عمرو حسن

أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب جامعة القاهرة و عضو المجموعة الاستشارية الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية المعنية بتقدير وفيات الأمهات وأسبابها


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top