الرضاعة الطبيعية .. «الألف يوم الذهبية» تستهدف رفع المعدلات وحماية صحة الطفل

في الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية.. 40% فقط من الرضع يحصلون على رضاعة خلال أول 6 أشهر و33% يبدأونها في الساعة الأولى

عبلة الألفي: الرضاعة الطبيعية والساعة الذهبية من حقوق الطفل.. و«الألف يوم الذهبية» تضع صحة الأم والمولود في مسار واحد

خالد عبدالغفار: دعم الرضاعة الطبيعية يحمي الطفل والأم.. والدولة تتحرك من ضبط تسويق بدائل اللبن إلى توسيع خدمات المشورة والرعاية

في اللحظة التي يولد فيها طفل، تبدأ واحدة من أبسط الممارسات وأكثرها تأثيرًا في صحته: أن يصل إلى أمه، وأن يبدأ الرضاعة الطبيعية مبكرًا.

لكن هذه البداية التي تبدو تلقائية ليست مضمونة دائمًا.

فبين الولادة القيصرية، وتأخر ملامسة الطفل لأمه، واللجوء المبكر إلى اللبن الصناعي أو الماء والأعشاب، وغياب الدعم العملي للأم بعد الولادة، تتحول الرضاعة الطبيعية أحيانًا من ممارسة طبيعية إلى تحدٍ يحتاج إلى تدخل من المستشفى والطبيب والأسرة ومكان العمل.

ولهذا يأتي الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية، من 1 إلى 7 أغسطس من كل عام، كتذكير بأن القضية لم تعد مجرد نصيحة للأمهات، بل جزء من سياسات الصحة العامة وحماية الطفولة. وفي 2026، حمل الأسبوع شعار «الرضاعة الطبيعية من أجل بداية مستدامة للحياة.. تعزيز ما أثبت نجاحه»، داعيًا الحكومات والأنظمة الصحية وأماكن العمل والمجتمعات إلى توسيع التدخلات التي ثبت أنها تساعد الأمهات على بدء الرضاعة والاستمرار فيها.

وفي مصر، يتقاطع هذا الملف مع مشروع أكبر هو المبادرة الرئاسية «الألف يوم الذهبية لتنمية الأسرة المصرية»، التي تضع الحمل والولادة وأول عامين من حياة الطفل داخل مسار صحي واحد، وتعتبر الرضاعة الطبيعية والساعة الأولى بعد الولادة جزءًا أساسيًا من بناء الإنسان منذ بداياته.

 40% فقط.. الفجوة ما زالت كبيرة

تكشف أحدث البيانات المتاحة من اليونيسف عن فجوة واضحة بين انتشار الرضاعة الطبيعية وبين تطبيقها بالشكل الموصى به.

ففي مصر، يبدأ نحو 33% فقط من المواليد الرضاعة خلال الساعة الأولى من الولادة ، بينما تبلغ نسبة الأطفال دون ستة أشهر الذين يحصلون على رضاعة طبيعية خالصة نحو

ويظهر تحليل اليونيسف أن نسبة بدء الرضاعة خلال الساعة الأولى ارتفعت من 27.1% في 2014 إلى 32.9% في 2021، بينما ظلت الرضاعة الطبيعية الخالصة شبه مستقرة، من 39.7% إلى 40.2%، وهو مستوى أقل بوضوح من المستهدف الوطني البالغ 60% بحلول 2030

والرقم هنا لا يعني أن الأمهات المصريات لا يرضعن أطفالهن؛ فالغالبية تبدأ الرضاعة بالفعل. المشكلة الحقيقية هي التوقيت والاستمرار والاستغناء عن السوائل أو الأغذية الأخرى خلال الأشهر الستة الأولى.

اقرأ ايضًا: الولادة الآمنة في مصر.. نحو رعاية أكثر كرامة للأم

الساعة الأولى.. ليست تفصيلًا صغيرًا

توصي منظمة الصحة العالمية بأن تبدأ الرضاعة الطبيعية خلال الساعة الأولى بعد الولادة، وأن يعتمد الطفل على حليب الأم وحده خلال الأشهر الستة الأولى، ثم يبدأ الطعام التكميلي المناسب مع استمرار الرضاعة حتى عامين أو أكثر.

وتصف المنظمة الساعة الأولى بأنها واحدة من أكثر الفترات أهمية في حياة المولود؛ إذ تساعد الملامسة المبكرة بين الأم والطفل والبدء المبكر في الرضاعة على تثبيت عملية الإرضاع، ودعم إنتاج الحليب، وتعريض الطفل للّبأ، أو الحليب الأول، الغني بعوامل مناعية مهمة.

وفي مصر، تظهر أهمية هذه النقطة بصورة أكبر مع ارتفاع معدل الولادات القيصرية؛ إذ تشير بيانات اليونيسف إلى أن نسبة الولادات القيصرية تبلغ نحو 72%، وهو ما قد يجعل التنظيم الجيد للتواصل المبكر بين الأم والطفل بعد الولادة أكثر أهمية.

عبلة الألفي: الرضاعة الطبيعية من «حقوق الطفل»

داخل مبادرة «الألف يوم الذهبية»، لا تُطرح الرضاعة الطبيعية كإرشاد منفصل، وإنما كجزء من فلسفة متكاملة للرعاية.

فعند إطلاق المبادرة في أغسطس 2023، أكدت الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، أن المبادرة تمثل منهجًا شاملًا لأول ألف يوم من حياة الإنسان، ويشمل الحمل الآمن، والاستعداد لولادة طبيعية آمنة، والاهتمام بالساعة الذهبية الأولى بعد الولادة، والرعاية المثلى خلال أول عامين، إلى جانب التأكيد على أهمية الرضاعة الطبيعية.

وتحدثت الألفي عن «الحقوق السبعة للطفل الأول»، ومن بينها الإعداد لولادة طبيعية آمنة، والاهتمام بالساعة الذهبية الأولى، والرعاية المثلى في أول سنتين، والمباعدة المناسبة بين الولادات، في إطار رؤية تعتبر صحة الطفل امتدادًا مباشرًا لصحة أمه والأسرة المحيطة به .

وفي 2026، واصلت وزارة الصحة توسيع العمل بالمبادرة، مع اجتماعات لمتابعة تقييم أثرها الاجتماعي والاقتصادي وميكنة خدماتها وإتاحة المشورة الأسرية إلكترونيًا، ما يعكس محاولة نقلها من حملات توعية محدودة إلى خدمة أكثر استدامة.

وزير الصحة: الرضاعة المطلقة أول 6 أشهر تحمي الأم والطفل

وفي يونيو 2026، عاد ملف الرضاعة الطبيعية إلى واجهة النقاش الحكومي خلال اجتماع لرئيس الوزراء لمتابعة منظومة صرف ألبان الأطفال الصناعية المدعمة.

وخلال الاجتماع، أكد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، أهمية دعم وحماية وتشجيع الرضاعة الطبيعية، مستندًا إلى توصيات منظمة الصحة العالمية واليونيسف بشأن الرضاعة الطبيعية المطلقة خلال أول ستة أشهر، مشيرًا إلى ما تحققه من فوائد صحية وتغذوية للأم والطفل معًا.

كما أشار إلى أن دعم الرضاعة الطبيعية يرتبط بخفض وفيات حديثي الولادة وتقليل بعض المخاطر الصحية على الأمهات، في رسالة توضح أن ملف الرضاعة أصبح مرتبطًا أيضًا بسياسات إدارة وتوجيه استخدام بدائل لبن الأم.

من تشجيع الرضاعة إلى ضبط تسويق البدائل

لم تتوقف تحركات وزارة الصحة عند التوعية فقط.

ففي يناير 2025، أطلق وزير الصحة المدونة المصرية لضبط تسويق بدائل لبن الأم إلى جانب برنامج المنشآت الصحية الصديقة للأم والطفل، بهدف وضع ضوابط لتسويق البدائل وحماية قرارات الأمهات من الممارسات الترويجية التي قد تؤثر على اختيار الرضاعة الطبيعية.

وهذه الخطوة تتفق مع أحد أكثر التدخلات التي تركز عليها منظمة الصحة العالمية؛ إذ تظهر بياناتها أن الدول التي تطبق تشريعات متوافقة بدرجة كبيرة مع المدونة الدولية لتسويق بدائل لبن الأم تسجل متوسطات أعلى في الرضاعة الطبيعية الخالصة مقارنة بالدول التي لا تملك إجراءات قانونية فعالة في هذا المجال.

لماذا الرضاعة الطبيعية مهمة لهذه الدرجة؟

حليب الأم ليس مجرد مصدر للسعرات.

فهو يوفر للطفل التغذية المناسبة خلال الأشهر الأولى، إلى جانب مكونات مناعية تساعد في تقليل مخاطر العدوى، خاصة الإسهال والالتهابات التنفسية، كما يرتبط على المدى الطويل بانخفاض مخاطر زيادة الوزن والسمنة وبعض الأمراض المزمنة وتحسن بعض مؤشرات النمو المعرفي

أما الأم، فتشير الأدلة إلى أن الرضاعة ترتبط بانخفاض مخاطر سرطان الثدي والمبيض والسكري من النوع الثاني.

وهكذا يصبح قرار الرضاعة الطبيعية استثمارًا صحيًا مزدوجًا، لا لطفل وحده ولا لأمه وحدها، وإنما للأسرة كاملة.

«الألف يوم الذهبية».. لماذا تبدأ القصة قبل الرضاعة؟

الفكرة الأساسية في المبادرة المصرية أن الرضاعة الطبيعية لا تبدأ بعد الولادة فقط.

تغذية المرأة قبل وأثناء الحمل، والمتابعة الطبية، وطريقة الولادة، والساعة الأولى، ثم الدعم بعد الخروج من المستشفى، كلها عوامل تؤثر في فرصة نجاح الرضاعة واستمرارها.

ولهذا أُطلقت «الألف يوم الذهبية» في 22 أغسطس 2023 تحت مظلة «100 مليون صحة»، باعتبارها إحدى مبادرات بناء الإنسان المصري، مع تركيز على الفترة من الحمل وحتى نهاية العام الثاني من عمر الطفل.

وتشمل المبادرة المشورة الأسرية، وصحة الأم والطفل، والرعاية المبكرة، والرضاعة الطبيعية، والمباعدة بين الولادات، والتوعية بالسلوكيات التي تؤثر في صحة الأسرة.

وفي أبريل 2026، تابعت الدكتورة عبلة الألفي تدريب فرق طبية ومقدمي مشورة أسرية ضمن المبادرة في محافظة البحيرة، ضمن توجه لتوسيع قدرة الكوادر الصحية على تقديم دعم عملي للأسر وليس مجرد معلومات نظرية.

المشورة قد ترفع الرضاعة الخالصة 58%

والأدلة العالمية تؤكد أن الدعم المهني يغير النتائج بالفعل.

فوفق منظمة الصحة العالمية، أظهرت مراجعة منهجية شملت 16 دراسة أن المشورة حول تغذية الرضع والأطفال، عندما تُقدم من خلال المرافق الصحية والمجتمع والمنزل، ارتبطت بزيادة معدلات الرضاعة الطبيعية الخالصة بنحو 58%

كما أظهرت دراسات شملت 15,096 مولودًا أن تطبيق مبادرة «المستشفيات الصديقة للطفل» والخطوات العشر للرضاعة الناجحة ارتبط بزيادة الرضاعة الطبيعية الخالصة عند ستة أشهر بنحو 45%، وزيادة استمرار الرضاعة بنحو 26%

والرسالة هنا واضحة: نصح الأم بالرضاعة لا يكفي إذا لم تجد من يساعدها على الوضع الصحيح للطفل، أو واجهت ألمًا أو مشكلة في الإدرار، أو فُصل عنها مولودها دون داعٍ، أو عادت للعمل دون مساحة أو وقت مناسبين.

تجربة محلية.. 68% رضاعة خالصة بين المستفيدات

وتشير بيانات منشورة عن تطبيق مبادرة «الألف يوم الذهبية» في الإسكندرية إلى وصول نسبة الرضاعة الطبيعية الخالصة بين بعض المستفيدات إلى نحو 68% بالتزامن مع تقديم المشورة والمتابعة.

ولا يمكن تعميم هذه النسبة على كل مصر، لكنها تحمل دلالة مهمة: عندما تحصل الأم على متابعة ودعم منظم، يمكن تغيير السلوك.

وهذا ربما يفسر لماذا تركز الدولة حاليًا بصورة أكبر على تطوير الرعاية الأولية وتدريب مقدمي المشورة ودمج خدمات صحة الأم والطفل في منظومة «الألف يوم الذهبية».

الولادة الطبيعية والرضاعة.. حلقتان في مسار واحد

وفي مايو 2026، قرر وزير الصحة إتاحة الولادة الطبيعية الأولى مجانًا للنساء داخل مستشفيات القطاع العلاجي التابعة للوزارة، في إطار تشجيع الولادة الطبيعية الآمنة وخفض القيصريات غير الضرورية.

كما أطلقت مصر في يونيو 2026 البرنامج الوطني للقبالة  تحت مظلة «الألف يوم الذهبية» بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ضمن منظومة تستهدف رعاية المرأة من قبل الحمل مرورًا بالولادة وحتى السنوات الأولى من عمر الطفل.

وهذه التحركات تضع الولادة والرضاعة في مسار واحد؛ فكيفية إدارة الساعات الأولى بعد الولادة قد تحدد إلى حد كبير مدى قدرة الأم على البدء في الرضاعة الطبيعية مبكرًا.

الرضاعة الطبيعية ليست مسؤولية الأم وحدها

أحد أهم التحولات في خطاب منظمة الصحة العالمية خلال السنوات الأخيرة هو الابتعاد عن تحميل الأم وحدها مسؤولية نجاح الرضاعة.

فالمنظمة تتحدث عن «سلسلة دعم» تبدأ بالخدمة الصحية وتمتد إلى الأسرة ومكان العمل والسياسات العامة.

وفي أسبوع الرضاعة الطبيعية 2026، دعت المنظمة واليونيسف إلى توسيع خدمات المشورة، ودمج دعم الرضاعة داخل خدمات الحمل والولادة وما بعد الولادة، وتطبيق سياسات إجازات الأمومة المدفوعة، ودعم الأم داخل أماكن العمل، ومواجهة التسويق غير الملائم لبدائل لبن الأم.

وتشير المراجعات إلى أن إجازة الأمومة المدفوعة ترتبط بزيادة نسب الرضاعة الطبيعية الخالصة، كما ترتبط سياسات الدعم داخل أماكن العمل بمعدلات أفضل للاستمرار.

الاقتصاد أيضًا يدخل على الخط

الرضاعة الطبيعية ليست ملفًا طبيًا فقط، بل اقتصاديًا كذلك.

منظمة الصحة العالمية تعتبر دعمها من أكثر الاستثمارات كفاءة من حيث العائد الصحي والاجتماعي، لأن الطفل الأقل عرضة للمرض يعني زيارات أقل للمستشفى وأدوية أقل وغيابًا أقل للأبوين عن العمل، بينما يمكن أن تنعكس التغذية الجيدة والنمو المعرفي الأفضل على التعليم والإنتاجية مستقبلًا.

ولهذا جاء شعار 2026 مركزًا على «تعزيز ما أثبت نجاحه»، فالعالم، وفق المنظمة، لا يفتقر اليوم إلى معرفة ما يجب فعله؛ بل إلى التمويل والتطبيق على نطاق واسع.

ستة أشهر خالصة.. ماذا يعني ذلك فعلًا؟

من أكثر المفاهيم التي يحدث حولها ارتباك أن الرضاعة الطبيعية الخالصة لا تعني أن يرضع الطفل من أمه ثم يحصل كذلك على ماء أو أعشاب أو سوائل أخرى.

التعريف يعني أن يحصل الطفل خلال أول ستة أشهر على حليب الأم فقط، باستثناء الأدوية أو المكملات التي تكون مطلوبة طبيًا، ثم يبدأ بعد الشهر السادس الطعام التكميلي المناسب مع استمرار الرضاعة الطبيعية. وهذه النقطة مهمة في مصر؛ لأن استخدام سوائل أو أغذية قبل استقرار الرضاعة يظل أحد السلوكيات التي يمكن أن تؤثر على استمرارها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top