بعد الانتصار على فيروس سي.. ما المعركة الصحية القادمة لمصر؟

أشرف عمر يحذر من صعود الكبد الدهني وسرطان الكبد.. ويدعو إلى خارطة طريق جديدة لما بعد «سي»

لم يعد السؤال في مصر هو: كيف نواجه فيروس سي؟ فالتجربة التي بدأت بأزمة صحية واسعة وانتهت بواحدة من أكبر حملات الكشف والعلاج في العالم، فتحت الباب أمام سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا بعد فيروس سي؟

هذا السؤال كان محور حديث مهم للدكتور أشرف عمر، أستاذ الكبد والجهاز الهضمي، خلال ندوة نظمها مركز رع للدراسات الاستراتيجية، والتي تناولت التحول الكبير في خريطة أمراض الكبد في مصر، من مواجهة فيروس سي إلى التعامل مع تحديات جديدة في مقدمتها الكبد الدهني، وسرطان الكبد، وزراعة الكبد، والمتابعة طويلة المدى للمرضى بعد الشفاء من الفيروس.

اقرأ ايضًا: حوار خاص مع الدكتور محمد حساني..يكشف المبادرات الصحية الجديدة ويوضح كيف أصبحت التجربة المصرية نموذجًا عالميًا

من علاج المرضى إلى البحث عن المصابين

يرى الدكتورأشرف عمر أن قوة التجربة المصرية لم تكن فقط في توفير العلاج، بل في الانتقال من نموذج ينتظر وصول المريض إلى المستشفى، إلى نموذج تذهب فيه الدولة للبحث عن المصابين.

وأوضح أن المرحلة الأولى من المواجهة ركزت على المرضى المعروف إصابتهم، قبل أن يتبين أن أعدادًا كبيرة تحمل الفيروس دون أعراض واضحة، الأمر الذي فرض التوسع في المسح الشامل. ويشير إلى أن نحو 50 إلى 60 مليون مواطن خضعوا للفحص، ما سمح باكتشاف حالات لم تكن تعرف بإصابتها وإدخالها إلى منظومة العلاج.

وكان توطين صناعة أدوية فيروس سي أحد أهم مفاتيح نجاح التجربة، بحسب عمر، لأنه أتاح توفير العلاج على نطاق واسع بتكلفة أقل، وخفف الاعتماد على الاستيراد، وحول الأزمة إلى فرصة لبناء قدرة وطنية في صناعة الدواء.

الشفاء من الفيروس لا يعني انتهاء الخطر

لكن انتهاء علاج فيروس سي لا يعني أن ملف أمراض الكبد قد أغلق.

ينبه د. أشرف عمر، إلى أن بعض المرضى قد يكونون وصلوا إلى درجات من التليف قبل اكتشاف الفيروس وعلاجه، وهؤلاء يظلون بحاجة إلى متابعة منتظمة حتى بعد التخلص من العدوى، لأن التليف قد يبقي خطر الإصابة بسرطان الكبد قائمًا لدى بعض الحالات.

وهنا تصبح مرحلة «ما بعد فيروس سي» مختلفة تمامًا؛ فالأولوية لم تعد القضاء على الفيروس فقط، وإنما حماية المريض بعد العلاج، ومتابعة حالة الكبد، والكشف المبكر عن المضاعفات قبل وصولها إلى مراحل متقدمة.

الكبد الدهني.. التحدي القادم

مع تراجع فيروس سي، يبرز مرض آخر بقوة: الكبد الدهني.

ويؤكد د. أشرف عمر، أن تغير أنماط الحياة، وزيادة الوزن، وقلة النشاط البدني، وطبيعة الغذاء أصبحت عوامل رئيسية في خريطة أمراض الكبد الجديدة. ويحذر من التعامل مع الكبد الدهني باعتباره حالة بسيطة دائمًا، لأن بعض أشكاله يمكن أن تتطور إلى التهابات وتليف ومضاعفات أكثر خطورة.

والفارق هنا أن هذه المعركة لا يمكن كسبها بالدواء وحده؛ فجزء كبير من الوقاية يرتبط بتغيير نمط الحياة، والوزن الصحي، والنشاط البدني، والغذاء المتوازن، والكشف المبكر لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر.

سرطان الكبد.. لماذا تظل المتابعة ضرورية؟

يضع د. أشرف عمر، سرطان الكبد ضمن أهم ملفات المرحلة المقبلة، خاصة لدى المرضى الذين عانوا تليفًا سابقًا.

ويشير إلى أن الاكتشاف المبكر يغير بشكل كبير فرص التدخل والعلاج، لذلك فإن الحفاظ على الإنجاز الذي تحقق في فيروس سي يتطلب استمرار برامج المتابعة والفحص للمجموعات الأكثر عرضة للمضاعفات.

المسألة هنا ليست فقط أن مصر نجحت في علاج ملايين المرضى، ولكن أن جزءًا من مسؤولية المرحلة الجديدة يتمثل في التأكد من ألا تتحول إصابات قديمة إلى أورام أو فشل كبدي في المستقبل.

زراعة الكبد.. خبرة مصرية تتجاوز عقدين

وفي ملف زراعة الكبد، يوضح د. أشرف عمر، أن مصر تمتلك خبرة ممتدة منذ أكثر من 20 عامًا، وأن هذه الخبرة تطورت إلى منظومة متكاملة تضم تقييم المريض والمتبرع، والجراحة، والرعاية المركزة، والمتابعة طويلة المدى.

ويرى أن النتائج في عدد من المراكز المصرية أصبحت قريبة من المستويات الدولية والعربية، إلا أن التحديات لا تزال قائمة، وفي مقدمتها الإطار القانوني، وحماية المتبرع الحي، وتطوير منظومة التبرع من المتوفين.

ويشدد على أن سلامة المتبرع تأتي أولًا، وأن التقييم الطبي والنفسي ليس إجراءً شكليًا، بل شرط أساسي لضمان أن قرار التبرع حر وآمن ولا يعرض شخصًا سليمًا لخطر يمكن تجنبه.

الزراعة لا تنتهي بخروج المريض من غرفة العمليات

من أهم النقاط التي يلفت إليها أشرف عمر أن زراعة الكبد ليست مجرد عملية جراحية باهظة التكلفة، بل رحلة علاج طويلة.

فالمريض يحتاج بعد الزراعة إلى متابعة مستمرة وأدوية مثبطة للمناعة، وهو ما يجعل دعم الدولة للمنظومة بعد العملية أمرًا أساسيًا بقدر دعم الجراحة نفسها. وأوضح أن هناك بالفعل مراكز تابعة لوزارة الصحة تقدم خدمات الدعم والمتابعة لمرضى زراعة الكبد.

الدكتور أشرف عمر، أستاذ الكبد والجهاز الهضمي

الخبرة المصرية إلى أفريقيا

التجربة المصرية في مواجهة فيروس سي لم تبق داخل الحدود.

بحسب د.أشرف عمر، شهدت السنوات الماضية تعاونًا مع نحو خمس أو ست دول أفريقية في مراحل مختلفة، من خلال التدريب والدعم العلمي والمحاضرات والدورات المتخصصة في التشخيص والمتابعة والمناظير واستدامة الخدمات الصحية.

ويرى أن هذه الخبرة يمكن أن تتحول إلى أحد أدوات الحضور الصحي المصري في أفريقيا، ليس فقط عبر تقديم خدمة علاجية، وإنما من خلال نقل المعرفة وبناء قدرات الدول الأخرى.

تحذير من الاستخدام العشوائي للأدوية

ومن الملفات المهمة التي تطرق إليها عمر، إصابات الكبد الناتجة عن الأدوية.

وأوضح أن بعض المرضى قد تظهر لديهم زيادة في إنزيمات الكبد أو الصفراء، وبعد استبعاد الأسباب الفيروسية والمناعية يتبين أن السبب دوائي. وحذر من الإفراط في تناول المسكنات أو المضادات الحيوية دون داعٍ أو إشراف طبي، مؤكدًا أن تأثير الدواء يختلف من شخص لآخر وفق النوع والجرعة والحالة الصحية وتكرار الاستخدام.

المطلوب.. خارطة طريق لما بعد فيروس سي

الخلاصة التي يطرحها د. أشرف عمر واضحة: نجاح مصر في القضاء على فيروس سي لا يعني نهاية المعركة، بل بداية مرحلة جديدة.

هذه المرحلة تحتاج إلى منظومة مستدامة تركز على الوقاية من الكبد الدهني، ومواجهة السمنة، والكشف المبكر عن سرطان الكبد، واستمرار متابعة مرضى التليف، وتطوير زراعة الكبد، والحفاظ على الخبرات التي بنتها مصر خلال العقود الماضية.

فالتجربة المصرية، في جوهرها، لم تكن قصة دواء فقط، بل نموذجًا في إدارة أزمة صحية وطنية، وتوطين صناعة، وبناء منظومة كشف وعلاج، وتحويل النجاح المحلي إلى خبرة يمكن تصديرها إقليميًا.

والتحدي الآن ليس الحفاظ على ما تحقق فقط، بل منع ظهور أزمة كبد جديدة بعنوان مختلف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top