ثورة مرتقبة في منع الحمل للرجال

« الرجال يترقبون حبوب قبل العلاقة وجل يومي ووسائل طويلة المفعول»

لم تعد مسؤولية منع الحمل قضية نسائية فقط. فبينما تظل الخيارات المتاحة للرجال محدودة بصورة أساسية في الواقي الذكري وقطع القناة الدافقة، تكشف بيانات جديدة عن استعداد واسع بين الرجال لتجربة جيل جديد من وسائل منع الحمل الذكورية، إذا نجحت هذه الوسائل في اجتياز مراحل التطوير وحصلت على الموافقات اللازمة.

وأظهر استطلاع حديث شمل نحو 14 ألف رجل في عدد من الدول الأوروبية إلى جانب تركيا أن أكثر من نصف المشاركين في كل دولة أبدوا استعدادهم لاستخدام وسيلة جديدة لمنع الحمل مخصصة للرجال خلال 12 شهرًا من اعتمادها، فيما قال 9% فقط إنهم لن يستخدموا مثل هذه الوسائل على الإطلاق.

وتكشف النتائج عن فجوة لافتة بين رغبة الرجال في الحصول على خيارات جديدة وبين ما هو متاح بالفعل، إذ لا تزال غالبية وسائل منع الحمل الدوائية والهرمونية وطويلة المفعول موجهة إلى النساء.

من حبة قبل العلاقة إلى جل يومي

بحسب التقرير، توجد ثمانية منتجات جديدة في مراحل مختلفة من التطوير والتجارب، وتتنوع بصورة كبيرة في طريقة عملها واستخدامها.

وتشمل الخيارات التي يجري تطويرها حبة تؤخذ عند الحاجة قبل ممارسة العلاقة الجنسية، وحبة يومية، وجلًا هرمونيًا يستخدم بصورة يومية، إلى جانب هيدروجيل طويل المفعول يهدف إلى منع مرور الحيوانات المنوية عبر القنوات الناقلة لها، فضلًا عن وسيلة حرارية تعتمد على حلقة من السيليكون تُستخدم حول الخصيتين بهدف خفض إنتاج الحيوانات المنوية.

لكن وجود هذه المنتجات في مراحل البحث والتطوير لا يعني أنها أصبحت علاجات معتمدة أو أنها ستتوفر قريبًا في الصيدليات، إذ لا يزال إثبات الفاعلية والأمان وقابلية عكس التأثير من القضايا الأساسية التي يتعين حسمها قبل الحصول على الموافقات التنظيمية.

الرجال يفضلون «الحبة عند الحاجة»

وكشف الاستطلاع أن الحبة غير الهرمونية التي يتم تناولها قبل ممارسة العلاقة بنحو 30 دقيقة كانت الخيار الأكثر تفضيلًا بين الرجال في الدول المشمولة، وجاءت الحبة اليومية في المرتبة التالية من حيث التفضيل.

كما ظهرت اختلافات بين البلدان في تقبل الوسائل الأخرى. وحصل الهيدروجيل غير الهرموني، الذي يستهدف إعاقة مرور الحيوانات المنوية دون أن يكون وسيلة دائمة، على قبول بلغ 12% في كل من ألمانيا وفرنسا، بينما حظيت الحلقة الحرارية المصنوعة من السيليكون بقبول أكبر بين المشاركين في تركيا.

وفي المقابل، اختلفت نسبة الرجال الذين رفضوا استخدام أي من الوسائل الجديدة، إذ بلغت 10% بين المشاركين في المملكة المتحدة، بينما وصلت إلى 17% في فرنسا وإيطاليا.

لماذا يريد الرجال خيارات جديدة؟

الاهتمام لا يتعلق فقط بالبحث عن بديل للواقي الذكري. ووفق القائمين على الاستطلاع، أشار الرجال الأكثر استعدادًا لتبني الوسائل الجديدة إلى مجموعة من الدوافع، في مقدمتها امتلاك قدر أكبر من التحكم في قرارات الإنجاب، وتقليل احتمال حدوث حمل غير مخطط له، وعدم الرضا عن الواقي الذكري، إلى جانب الرغبة في تقاسم مسؤولية منع الحمل مع النساء.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة لأن النساء يتحملن حاليًا الجزء الأكبر من العبء المرتبط بوسائل منع الحمل، بما يشمله ذلك من الاستخدام اليومي لبعض الوسائل والآثار الجانبية المحتملة والإجراءات الطبية المرتبطة بوسائل أخرى.

كما أظهرت النتائج أن نحو ثلث الرجال المهتمين بالوسائل الجديدة قالوا إنهم قد يبدأون استخدامها خلال الأشهر الثلاثة الأولى من إتاحتها.

هل تثق النساء في التزام الرجال؟

رغم الاستعداد الذي أظهره الرجال، فإن نجاح وسائل منع الحمل الذكورية لا يتوقف على الفاعلية الطبية وحدها.

وأشار ستيف كرتشمر، المدير التنفيذي لمنظمة DesireLine التي أجرت الاستطلاع، إلى وجود تصورات اجتماعية قد تعرقل انتشار هذه الوسائل، من بينها الاعتقاد بأن الرجال قد لا يهتمون باستخدامها، أو أن النساء قد لا يثقن في التزام شركائهن بها.

وهذا يضيف بُعدًا اجتماعيًا إلى القضية؛ فوسيلة منع الحمل الجديدة لن تحتاج فقط إلى اجتياز التجارب السريرية، وإنما إلى اكتساب ثقة المستخدمين وشركائهم أيضًا.

التمويل قد يؤخر وصولها إلى الصيدليات

ورغم وجود عدد من المنتجات قيد التطوير، يشير القائمون على المجال إلى أن نقص التمويل يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام تسريع الأبحاث والوصول إلى السوق.

وقالت هيذر فهدات، المديرة التنفيذية لمبادرة Male Contraception Initiative، إن مجال تطوير وسائل منع الحمل للرجال اعتمد لنحو ثلاثة عقود بدرجة كبيرة على التمويل الخيري والعام، في ظل غياب مسار واضح لمشاركة شركات الأدوية في تطوير هذه المنتجات.

وبالتالي، قد تمر سنوات قبل أن تتحول بعض الخيارات التي يجري اختبارها حاليًا إلى منتجات متاحة في الصيدليات، إذا أثبتت التجارب فاعليتها وأمانها وحصلت على الموافقات التنظيمية المطلوبة.

الواقي الذكري لا يزال في المقدمة

حتى ظهور بدائل معتمدة، يظل الواقي الذكري الوسيلة الرئيسية القابلة للعكس المتاحة للرجال لمنع الحمل، فضلًا عن دوره المهم في خفض خطر انتقال عدد من العدوى المنقولة جنسيًا، وهي ميزة لا يُفترض تلقائيًا أن توفرها وسائل منع الحمل الذكورية الجديدة.

وأظهر الاستطلاع أن الواقي الذكري لا يزال الوسيلة الأكثر شيوعًا بين الرجال، لكن نحو نصف مستخدميه فقط أفادوا باستخدامه في كل مرة.

وقدّر القائمون على الاستطلاع أنه إذا استخدم الرجال الذين لا يعتمدون حاليًا على أي وسيلة للحماية إحدى وسائل منع الحمل الجديدة وفق النوايا التي أظهروها، فقد ترتفع تغطية وسائل منع الحمل بصورة ملحوظة، وإن كانت هذه التقديرات تعبر عن سيناريو افتراضي قائم على نوايا المشاركين وليست نتائج استخدام فعلية.

منظمة الصحة العالمية تدخل على خط تطوير الوسائل الجديدة

تأتي نتائج الاستطلاع بالتزامن مع تحرك من منظمة الصحة العالمية لدعم تطوير خيارات جديدة لمنع الحمل لدى الرجال، من خلال تحديد الخصائص المستهدفة للمنتجات الجديدة.

وتركز المسارات التي حددتها المنظمة على ثلاثة اتجاهات رئيسية: منع إنتاج الحيوانات المنوية، أو تعطيل قدرتها على الحركة، أو منع مرورها عبر القنوات الناقلة.

والهدف الأوسع هو توسيع خيارات تنظيم الحمل أمام الرجال، وتعزيز المشاركة في المسؤولية عن منع الحمل بدلًا من استمرار اعتماد الجزء الأكبر من الخيارات الدوائية والطبية على النساء.

ومع ذلك، تظل المسافة بين المختبر والصيدلية طويلة. فالاستطلاع يكشف أن الطلب المحتمل موجود، لكن السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كان الرجال مستعدين لاستخدام وسائل جديدة لمنع الحمل، وإنما متى تنجح الأبحاث والتمويل والتجارب السريرية في تحويل هذه الخيارات إلى وسائل آمنة وفعالة ومتاحة بالفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top