تناول السكر في الطفولة يزيد خطر القلق في الكبر.. دراسة تكشف أثر أول 1000 يوم

قد لا يتوقف تأثير الإفراط في السكر عند زيادة الوزن أو ارتفاع خطر الإصابة بالسكري، إذ تشير دراسة حديثة إلى أن كمية السكر التي يتعرض لها الإنسان خلال واحدة من أكثر مراحل حياته حساسية، وهي الفترة الممتدة من الحمل وحتى نحو عمر عامين، قد ترتبط بصحته النفسية بعد عقود.

الدراسة، التي نشرها باحثون من جامعة سري البريطانية في مجلة Translational Psychiatry، وجدت أن الأشخاص الذين تعرضوا لتقييد استهلاك السكر لأطول فترة خلال أول 1000 يوم من حياتهم كانت لديهم مخاطر أقل للإصابة بالقلق في مرحلة البلوغ مقارنة بمن لم يعيشوا فترة تقنين السكر.

تجربة تاريخية صنعت فرصة بحثية نادرة

اعتمد الباحثون على ظرف تاريخي استثنائي شهدته بريطانيا خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، عندما فرضت الحكومة نظامًا لتقنين السكر استمر حتى عام 1953.

وحلل الفريق بيانات 46 ألفًا و448 شخصًا من قاعدة بيانات UK Biobank، وُلدوا بين أكتوبر 1951 ومارس 1956، أي خلال الفترة التي سبقت إلغاء نظام التقنين وما بعدها. وقُسم المشاركون وفق المدة التي تعرضوا خلالها لتقييد السكر، بدءًا من فترة وجودهم في الرحم وحتى أعمار مختلفة خلال أول عامين من الحياة.

أتاحت هذه الظروف للباحثين مقارنة أشخاص نشأوا في بيئة كان السكر فيها محدودًا نسبيًا، بآخرين وُلدوا بعد رفع القيود وارتفاع استهلاكه.

اقرأ ايضًا: “ناقوس خطر عالمي”.. 228 مليون طفل في قبضة السمنة بحلول 2040

انخفاض خطر القلق بنحو الثلث

أظهرت النتائج أن المجموعة التي عاشت فترة تقنين السكر طوال أول 1000 يوم تقريبًا سجلت خطرًا أقل للإصابة بالقلق مقارنة بإحدى المجموعات التي لم تتعرض للتقنين.

وبلغت نسبة الخطر النسبي للقلق 0.67، وهو ما يعادل انخفاضًا يقارب 33% في الخطر لدى المجموعة الأكثر تعرضًا لتقييد السكر. وظلت العلاقة الخاصة بالقلق موجودة حتى بعد إجراء تحليلات إضافية أخذت في الاعتبار استهلاك السكر لاحقًا خلال الحياة.

كما وجدت الدراسة ارتباطًا بانخفاض خطر الاكتئاب، إلا أن هذه العلاقة أصبحت أضعف ولم تعد ذات دلالة إحصائية بعد بعض التعديلات، وهو ما يجعل الأدلة المتعلقة بالقلق أكثر قوة من النتائج الخاصة بالاكتئاب.

وهنا توجد نقطة مهمة: الدراسة رصدت ارتباطًا إحصائيًا، لكنها لا تثبت أن السكر وحده يسبب اضطرابات القلق لاحقًا، إذ يمكن أن تتداخل عوامل غذائية واجتماعية وصحية أخرى.

هل يؤثر السكر المبكر في مذاقنا بعد عقود؟

لم تتوقف النتائج عند الصحة النفسية.

فالأشخاص الذين قضوا أطول فترة تحت تقنين السكر أبلغوا أيضًا عن تفضيل أقل للأطعمة الحلوة في مرحلة البلوغ مقارنة بمن لم يتعرضوا للتقنين.

ويطرح ذلك احتمال أن البيئة الغذائية في السنوات الأولى من الحياة لا تؤثر فقط في الصحة الجسدية، وإنما قد تسهم كذلك في تشكيل التفضيلات الغذائية طويلة المدى.

وقالت الدكتورة هانا نافراتيلوفا، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن فهم التأثير الذي قد يتركه السكر على الصحة الجسدية والنفسية عبر مراحل العمر يمكن أن يساعد في توجيه سياسات الصحة العامة وإعادة التفكير في الأنماط الغذائية.

اختلافات في الدماغ

وتضمنت الدراسة أيضًا تحليل صور الدماغ لدى بعض المشاركين.

ووفق جامعة سري، رصد الباحثون اختلافات في حجم المادة الرمادية بين مجموعات التعرض المختلفة، وظهرت اختلافات أكثر وضوحًا في 11 منطقة دماغية عند مقارنة بعض المجموعات بمن لم يخضعوا لتقنين السكر.

لكن هذه النتائج لا تعني أن تناول السكر يؤدي مباشرة إلى تغيرات محددة في الدماغ أو إلى الإصابة بالقلق، وإنما تشير إلى مسار بحثي يحتاج إلى مزيد من الدراسات لفهم الآليات التي قد تربط التغذية المبكرة بالنمو العصبي والصحة النفسية لاحقًا.

لماذا أول 1000 يوم بالتحديد؟

تُعد الفترة الممتدة من الحمل وحتى نهاية العامين الأولين من العمر مرحلة شديدة الأهمية في نمو الدماغ والجهاز العصبي وتطور أجهزة الجسم المختلفة.

ولهذا يهتم الباحثون بصورة متزايدة بما يُعرف بـ”البرمجة المبكرة”، أي احتمال أن تؤثر البيئة الغذائية والصحية في هذه المرحلة في كيفية نمو الجسم واستجابته للأمراض على المدى الطويل.

وتضيف الدراسة الجديدة إلى هذا المجال احتمال ارتباط التعرض المرتفع للسكر في هذه الفترة بنتائج تتجاوز السمنة والتمثيل الغذائي إلى الصحة النفسية أيضًا.

هل يعني ذلك منع السكر تمامًا عن الأطفال؟

لا تقدم الدراسة دليلًا يسمح بالقول إن منع السكر بالكامل في الطفولة سيمنع الإصابة بالقلق مستقبلًا، كما أنها لم تكن تجربة سريرية وزعت الأطفال عشوائيًا على أنظمة مختلفة من السكر.

ما فعلته الدراسة هو استغلال حدث تاريخي طبيعي، هو تقنين السكر في بريطانيا، ومقارنة النتائج الصحية بعد عقود بين مجموعات تعرضت لمستويات مختلفة من التقييد.

لذلك فإن النتائج تدعم أهمية الحد من التعرض المفرط للسكريات في السنوات الأولى، لكنها لا تحدد كمية بعينها تضمن الوقاية من اضطرابات القلق.

رسالة الدراسة.. ما يحدث مبكرًا قد لا ينتهي مبكرًا

قالت البروفيسورة نوفار غيفمان، المؤلفة الرئيسية المشاركة، إن النتائج تشير إلى أن تقييد السكر في الحياة المبكرة ارتبط بانخفاض تفضيل الأطعمة الحلوة وانخفاض خطر القلق، رغم أن استهلاك المشاركين للسكر ارتفع بعد انتهاء نظام التقنين.

وتفتح النتائج بابًا جديدًا أمام فهم العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية، لكنها تحتاج إلى دراسات أخرى في مجموعات سكانية وأجيال مختلفة قبل تحويلها إلى استنتاج سببي نهائي.

فالرسالة الأهم ليست أن قطعة حلوى في الطفولة ستؤدي إلى القلق بعد عشرات السنين، وإنما أن البيئة الغذائية خلال أول 1000 يوم من الحياة قد تكون أكثر تأثيرًا مما كنا نتصور، وربما تمتد آثارها إلى طريقة تناولنا للطعام وصحتنا النفسية والدماغية في مراحل متقدمة من العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top