من برديات الفراعنة إلى «التكليف حسب الاحتياج».. كيف تغيرت مهنة الصيدلة في مصر؟

مهنة تضرب بجذورها في التاريخ المصري وتواجه اليوم أزمة التكليف

في الصيدليات، والمستشفى، ومصنع الدواء، ومعامل الرقابة، والأبحاث والتجارب السريرية، يقف الصيدلي في أكثر من موقع داخل المنظومة الصحية. لكن المهنة التي ارتبط تاريخها في مصر بتاريخ الطب والدواء نفسه، تعيش اليوم مرحلة مختلفة؛ فلم يعد السؤال بالنسبة لآلاف الخريجين هو أين سيكون التكليف، وإنما: هل سيكون هناك تكليف من الأساس؟

فالقاعدة التي تحكم تكليف خريجي الصيدلة حاليًا لم تعد تعني استيعاب الدفعة كاملة، وإنما أصبح الإعلان عن حركة التكليف مرتبطًا بوجود احتياج فعلي لدى الجهات الصحية والأعداد المطلوبة، وهي القاعدة نفسها التي تطبق على أطباء الأسنان والعلاج الطبيعي. وينص دليل التكليف المنشور من وزارة الصحة على أن حركة تكليف الصيادلة يتم الإعلان عنها «طبقًا لوجود احتياج من عدمه»، مع تحديد جهات الاحتياج والعدد الإجمالي المطلوب.

و كانت أحدث حركة قد شملت جزءًا من خريجي دفعة 2023 وفق الاحتياجات، وليس جميع الدفعة، لتصبح القضية واحدة من أبرز التحولات التي يواجهها خريجو كليات الصيدلة في مصر.

اقرأ ايضًا: «دخلنا الكليات والتكليف قائم».. غضب خريجي المهن الطبية

من صناعة الدواء إلى علم مستقل

قصة الصيدلة في مصر أقدم بكثير من شكل الصيدلية الحديثة. فقد عرفت الحضارة المصرية القديمة استخدام المواد النباتية والمعدنية والحيوانية في تحضير وصفات علاجية، وسجلت البرديات الطبية جانبًا من المعرفة بالأدوية وتركيبها واستخدامها.

لكن التعليم الطبي والصيدلي بمفهومه المؤسسي الحديث بدأ يتشكل في القرن التاسع عشر، ضمن مشروع تحديث الطب في عهد محمد علي. وتؤرخ جامعة القاهرة لتأسيس مدرسة الطب في أبي زعبل عام 1827 تحت إشراف كلوت بك، قبل انتقالها إلى قصر العيني عام 1837.

وتكشف السجلات التاريخية لجامعة القاهرة عن تطور دراسة الصيدلة خلال العقود التالية؛ ففي عام 1887 أصبحت مدة الدراسة أربع سنوات، ثم تعطلت الدراسة فترة في مطلع القرن العشرين قبل استئنافها عام 1910، وأصبح الخريج يحصل على دبلوم الصيدلة والكيمياء. وبعد انضمام مدرسة الطب إلى الجامعة المصرية عام 1925، ظلت مدرسة الصيدلة ملحقة بكلية الطب وأصبحت الدراسة بها أربع سنوات.

وهكذا انتقلت الصيدلة تدريجيًا من الخبرة المرتبطة بتحضير العقاقير إلى تخصص أكاديمي ومهنة صحية لها تعليمها وتنظيمها ومساراتها المختلفة.

الصيدلي لم يعد «بائع الدواء»

ورغم أن الصورة الأكثر حضورًا لدى الجمهور هي الصيدلي الذي يقف خلف طاولة الصيدلية، فإن المهنة أوسع كثيرًا من صرف عبوات الدواء.

فالصيدلي يمثل إحدى حلقات الأمان الدوائي؛ يراجع الجرعات وطريقة الاستخدام والتداخلات المحتملة، ويسهم في توعية المريض بالاستخدام الرشيد للعلاج. وفي المستشفيات تطور دور الصيدلة الإكلينيكية ومتابعة العلاج الدوائي للمرضى، بينما يعمل آلاف الصيادلة في صناعة الدواء والجودة والرقابة والشؤون التنظيمية واليقظة الدوائية والتسويق الدوائي والأبحاث والتجارب السريرية وسلاسل الإمداد.

وهذا التحول يعني أن مستقبل خريج الصيدلة لم يعد محصورًا في الاختيار التقليدي بين الصيدلية الخاصة والوظيفة الحكومية.

التكليف.. من تعيين الدفعة إلى «الاحتياج»

وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للخريجين الجدد.

لسنوات ارتبطت صورة المستقبل المهني لطالب الكليات الطبية بفكرة «التكليف» بعد التخرج. لكن بالنسبة لخريجي الصيدلة والعلاج الطبيعي وطب الأسنان، أصبح التكليف مرتبطًا باحتياجات القطاع الصحي وليس التزامًا بتكليف جميع أفراد الدفعة.

ودليل التكليف الرسمي لوزارة الصحة واضح في هذه النقطة؛ إذ ينص بالنسبة للصيدلة على أن الإعلان عن حركة التكليف يتم وفق وجود احتياج من عدمه، على أن تتضمن المذكرة المعروضة جهات الاحتياج والعدد الإجمالي المطلوب. وترد القاعدة نفسها بالنسبة لطب الأسنان والعلاج الطبيعي.

وهذا فارق جوهري؛ فالأمر ليس «إلغاءً لمهنة الصيدلة» أو توقفًا كاملًا للتكليف، وإنما انتقال من مفهوم تكليف الدفعة بأكملها إلى تكليف أعداد تحددها احتياجات الجهات الصحية.

وبالتالي قد يتخرج آلاف الطلاب في عام واحد، بينما لا تستوعب حركة التكليف سوى العدد الذي تحدده الاحتياجات الفعلية، وهو ما يضع جزءًا من الخريجين أمام سوق العمل مباشرة بعد انتهاء الدراسة والتدريب.

ماذا يعني القرار لطالب الصيدلة؟

هذا التحول يغير معادلة كانت مستقرة لسنوات.

فالطالب الذي يدخل كلية الصيدلة لم يعد من الواقعي أن يبني خطته المهنية بالكامل على انتظار وظيفة حكومية بعد التخرج. وأصبح التدريب أثناء سنوات الدراسة، واكتساب المهارات العملية واللغات والمهارات الرقمية والتخصص في أحد مجالات سوق الدواء عوامل أكثر أهمية في فرص العمل.

وهنا تظهر مشكلة أعمق من قضية التكليف نفسها: هل يتخرج طالب الصيدلة وهو مستعد بالفعل لسوق العمل الجديد؟

فالتحول من نظام يستوعب الخريج حكوميًا إلى سوق يقوم بدرجة أكبر على المنافسة يفترض في المقابل وجود تدريب مهني قوي، وإرشاد وظيفي داخل الجامعات، وتعريف مبكر بالمسارات غير التقليدية للمهنة.

وقد سبق لوزارة الصحة أن تحدثت عن إعداد برامج لتدريب أطباء الأسنان والصيادلة والعلاج الطبيعي وفق الاحتياجات الفعلية للخدمات الصحية بوحدات الرعاية الأساسية، بما يعكس ارتباط التدريب والتشغيل بصورة متزايدة باحتياجات النظام الصحي.

سوق مزدحم.. لكن المهنة أكبر من الصيدلية

أحد الأخطاء في مناقشة أزمة خريجي الصيدلة هو اختزال سوق العمل كله في الصيدليات المجتمعية.

فالقطاع الدوائي المصري يضم سلسلة طويلة تبدأ من البحث والتطوير والمواد الخام والتصنيع، وتمر بمراقبة الجودة والتسجيل والشؤون التنظيمية واليقظة الدوائية والتوزيع، وتنتهي بوصول الدواء إلى المريض ومتابعة استخدامه.

كما أن التوسع في المستشفيات والصيدلة الإكلينيكية والتأمين الصحي الشامل والأبحاث الإكلينيكية والتحول الرقمي يخلق احتياجات مختلفة عن الصورة التقليدية للصيدلي.

لكن وجود هذه المجالات لا يعني تلقائيًا وجود وظيفة لكل خريج؛ فالمشكلة الحقيقية هي مدى التناسب بين أعداد الخريجين، ونوعية تأهيلهم، والوظائف التي يحتاج إليها السوق بالفعل.

أزمة التكليف تكشف سؤالًا أكبر

لذلك قد يكون من الخطأ اختزال النقاش في مطلب واحد هو عودة تكليف جميع الخريجين.

فالسؤال الأوسع هو: ماذا تريد مصر من الصيدلي خلال السنوات المقبلة؟

إذا كانت احتياجات الدولة من الوظائف الحكومية أصبحت محددة بأعداد فعلية، فإن ذلك يفرض بالتوازي تطوير سياسات التعليم والتدريب وقبول الطلاب، وربط أعداد الخريجين بالاحتياجات الحقيقية لسوق العمل، وفتح مسارات مهنية جديدة أمامهم.

كما يحتاج الطالب منذ سنوات الدراسة الأولى إلى معرفة أن الشهادة وحدها لم تعد كافية، وأن التخصص والتدريب العملي والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا والبيانات واللغة والبحث العلمي أصبحت أدوات أساسية للمنافسة.

بين حق الخريج واحتياجات المنظومة

التحول إلى التكليف وفق الاحتياج يمكن النظر إليه من زاويتين.

من جانب، تسعى المنظومة الصحية إلى توجيه القوى البشرية طبقًا للاحتياجات الفعلية وعدم تعيين أعداد لا توجد وظائف حقيقية لاستيعابها. ومن الجانب الآخر، يجد خريجون التحقوا بكليات القطاع الصحي وهم يتوقعون مسارًا وظيفيًا حكوميًا أنفسهم أمام واقع مختلف ومنافسة أكبر للحصول على فرص العمل.

وهنا تصبح الحاجة إلى الوضوح والتخطيط المبكر ضرورية؛ فطالب الثانوية الذي يختار كلية الصيدلة ينبغي أن يعرف منذ البداية طبيعة سوق العمل وقواعد التكليف وفرص التوظيف المتوقعة، وليس أن يكتشفها بعد سنوات من الدراسة.

مهنة تتغير.. فهل يتغير التعليم معها؟

بعد ما يقرب من قرنين على تأسيس التعليم الطبي الحديث في مصر، لم تعد الصيدلة هي المهنة نفسها التي عرفتها الأجيال السابقة.

الصيدلي الذي كان يصنع المستحضرات بيده أصبح اليوم جزءًا من صناعة دوائية معقدة، ومنظومة للرقابة واليقظة الدوائية، وفريق علاجي داخل المستشفى، وباحثًا في التجارب السريرية، ومتخصصًا في التكنولوجيا والتنظيم والجودة.

وفي المقابل، انتهى عمليًا بالنسبة للصيدلة مفهوم أن حصول جميع أفراد الدفعة على وظيفة حكومية هو المسار التلقائي بعد التخرج، ليصبح التكليف مرتبطًا بالاحتياجات المعلنة للقطاع الصحي.

ولهذا فإن أزمة التكليف ليست مجرد مشكلة توظيف لدفعة أو اثنتين، وإنما جرس إنذار لإعادة النظر في العلاقة بين التعليم الصيدلي وأعداد الخريجين واحتياجات الدولة وسوق الدواء.

وفي اليوم العالمي للصيادلة، قد يكون الاحتفاء الحقيقي بالمهنة أكبر من توجيه كلمات الشكر. فمهنة بهذا التاريخ تحتاج إلى رؤية واضحة لمستقبلها، وخريجوها يحتاجون إلى أن يعرفوا منذ بداية الطريق أين توجد الفرص، وما المهارات المطلوبة، وكيف ينتقلون من مقاعد الدراسة إلى سوق عمل تغيرت قواعده.

الصيدلة في مصر لم تفقد أهميتها، لكنها تغيرت.. والتحدي الآن أن يتغير معها التعليم والتدريب وسياسات التشغيل، حتى لا يجد جيل جديد من الصيادلة نفسه يحمل شهادة لم يُرسم بوضوح الطريق الذي يبدأ بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top