«دخلنا الكليات والتكليف قائم».. غضب خريجي المهن الطبية

خريجون يتمسكون بحقهم في التكليف ويحذرون من تغيير القواعد بعد سنوات الدراسة.. ووزارة الصحة والنقابات تتمسكان بالتكليف وفق الاحتياج.. والجدل ينتقل إلى البرلمان والقانون

بوابة مصر الصحية – تقرير خاص

لم تعد أزمة تكليف خريجي كليات طب الأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة مجرد نقاش إداري حول أعداد الوظائف المتاحة داخل وزارة الصحة، وإنما تحولت خلال الشهور الماضية إلى ملف شديد الحساسية بالنسبة لآلاف الخريجين وأسرهم، خصوصًا مع انتقال نظام التكليف من استيعاب الدفعات على نطاق واسع إلى ربط التكليف بـ«الاحتياجات الفعلية» لجهات العمل.

وبينما ترى وزارة الصحة أن السياسة الجديدة تستهدف إدارة الموارد البشرية بصورة أكثر كفاءة وربط أعداد المكلفين باحتياجات المنشآت الصحية، يرى خريجون أن الأزمة بالنسبة إليهم مختلفة: لقد التحقوا بكلياتهم منذ سنوات في وقت كان فيه التكليف يمثل جزءًا مستقرًا من المسار المهني لخريجي القطاع الصحي، ثم فوجئوا بتغير قواعد المشهد عند نهاية سنوات الدراسة أو بعد التخرج.

هذا الشعور يتكرر بوضوح في عدد من الرسائل والشكاوى التي تلقتها بوابة مصر الصحية من خريجي دفعة 2023، وبعضها لا يتحدث فقط عن فقدان فرصة عمل، وإنما عن حالة أعمق من عدم اليقين تجاه المستقبل.

اقرأ ايضًا: بين مطرقة “الجامعات” وسندان “التكليف”.. من ينقذ زهرة شباب مصر؟

انتظرنا سنوات.. ثم تغيرت القواعد

إحدى الرسائل التي وصلت إلى البوابة من خريجي طب الأسنان والعلاج الطبيعي تختصر حجم الأزمة في عبارة مؤلمة:

“ثلاث سنوات كاملة مرت منذ تخرجنا، عشناها في انتظار تنفيذ حقنا، وامتنعنا عن بدء حياتنا المهنية على أمل صدور التكليف.”

ويقول أصحاب الشكوى إنهم يشعرون بأن مستقبلهم أصبح معلقًا بعد سنوات طويلة من الدراسة والتدريب والإنفاق، وإن المسألة بالنسبة إليهم لم تعد مرتبطة بالراتب الحكومي بقدر ارتباطها ببداية الطريق المهني التي بنوا عليها قراراتهم منذ دخول الجامعة.

وفي شكوى أخرى لخريجي العلاج الطبيعي دفعة 2023، يعترض الخريجون على تكليف جزء من الدفعة، ويتساءلون عن معايير المفاضلة بين الخريجين والجامعات، مطالبين بحركة تكميلية تستوعب باقي الدفعة.

وهذه المخاوف ليست منفصلة عن موقف نقابة العلاج الطبيعي؛ ففي مارس 2026 خاطب النقيب العام للعلاج الطبيعي رئيس مجلس الوزراء مطالبًا بإعادة النظر في القواعد الجديدة، وقال إن الحركة اقتصرت على 1366 خريجًا من دفعة 2023، معتبرًا أن التغيير المفاجئ ودون فترة انتقالية يهدد مستقبل أعداد كبيرة من الخريجين.

وزارة الصحة: التكليف وفق الاحتياج

في المقابل، لدى وزارة الصحة رؤية مختلفة للمشكلة.

فمع إعلان حركة تكليف أطباء الأسنان دفعة 2023، حددت الوزارة قواعد التوزيع على أساس «الاحتياجات – المجموع – الرغبات» للعمل بوحدات الوزارة بالمحافظات وبعض الجهات الخارجية.

كما أوضح نائب وزير الصحة الدكتور محمد الطيب، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام، أن النظام السابق الذي كان يستوعب جميع خريجي القطاع الصحي دون ارتباط مباشر بالاحتياج الفعلي أدى إلى تحديات تتعلق بكفاءة التشغيل وجودة الخدمة وفرص التطور المهني للخريجين أنفسهم.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية:

الدولة تتحدث عن «الاحتياج الفعلي»، بينما يتحدث الخريجون عن «تغيير قواعد المستقبل بعد دخولهم الكلية».

وهما مستويان مختلفان من القضية.

النقابات تدخل على خط الأزمة

الاعتراض لم يقتصر على رسائل الخريجين.

نقابات المهن الطبية المعنية تحركت هي الأخرى للمطالبة بإعادة النظر في القرار وتكليف الدفعة بالكامل، ووصلت مطالبها إلى مجلس الوزراء والبرلمان.

وفي العلاج الطبيعي تحديدًا، طالب النقيب العام بإعادة النظر في تطبيق التكليف وفق الاحتياج على دفعة 2023.

كما ظهر اعتراض داخل نقابة الصيادلة؛ ففي تصريحات حديثة في يوليو 2026، وصف عضو مجلس النقابة الدكتور ثروت حجاج تطبيق التكليف وفق الاحتياج بأنه قرار جاء بصورة مفاجئة، وقال إن النقابة لم تشارك في نقاش سابق بشأنه.

وسبق أن أثير الاعتراض نفسه منذ 2024 عندما أُعلن الاتجاه نحو تكليف الصيادلة وفق الاحتياج، وطالبت أصوات نقابية وقتها بمعالجة أصل المشكلة من خلال ضبط أعداد المقبولين والخريجين وفتح مسارات أخرى للعمل.

سؤال الخريجين: لماذا نحن؟

من بين أكثر النقاط تكرارًا في الشكاوى التي وصلت إلى بوابة مصر الصحية سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يلخص جوهر الغضب:

إذا كانت أعداد الخريجين أصبحت أكبر من احتياجات الجهاز الصحي الحكومي، فمن المسؤول عن هذا الاختلال؟

الخريجون يقولون إنهم لم يقرروا أعداد المقبولين في الكليات، ولم ينشئوا كليات جديدة، ولم يحددوا احتياجات وزارة الصحة، وبالتالي يرون أنه لا ينبغي أن يتحملوا وحدهم نتائج الفجوة بين سياسات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل الصحي.

ومن هنا يتجاوز الملف قضية «التكليف» ليطرح سؤالًا أكبر حول التنسيق بين التعليم الصحي وسوق العمل: هل تتوافق أعداد المقبولين في كليات القطاع الصحي مع الاحتياجات المتوقعة للدولة والقطاع الخاص خلال خمس أو عشر سنوات؟

القانون.. نقطة خلاف تحتاج إلى حسم

ويستند بعض الخريجين في مطالباتهم إلى القانون رقم 29 لسنة 1974 بشأن تكليف الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان وهيئات التمريض والفنيين الصحيين والفئات الطبية الفنية المساعدة.

لكن الاعتراض الآخر الذي يطرحه الخريجون يتعلق بما يسمونه «التوقع المشروع»: هل يجوز تغيير مسار وظيفي استقر عليه الطلاب عند التحاقهم بالجامعة قبل سنوات، ثم تطبيق النظام الجديد عليهم عند التخرج؟

وهنا تصبح القضية قانونية وإدارية بقدر ما هي قضية توظيف.

أزمة المعايير

وهناك سؤال آخر يتكرر في شكاوى الخريجين:

إذا كان التكليف أصبح وفق الاحتياج، فمن سيُكلَّف ومن سيُستبعد؟

وزارة الصحة أعلنت بالفعل أن التوزيع في حركة أطباء الأسنان 2023 يرتبط بالاحتياجات والمجموع والرغبات.

لكن بعض الخريجين يعترضون على الاعتماد على المجموع باعتباره معيارًا للمفاضلة بين جامعات قد تختلف فيها نظم التقييم والامتحانات وتوزيع الدرجات.

ومن هنا يطالب المتضررون بإعلان أكثر تفصيلًا عن أعداد الاحتياجات في كل تخصص ومحافظة وجهة، وكيفية حسابها، ومعايير ترتيب المتقدمين، وآلية التظلم من النتيجة.

ليست “وظيفة براتب قليل”

اللافت في الرسائل التي تلقتها البوابة أن الغضب لا يتركز فقط حول القيمة المالية للتكليف.

فبالنسبة لخريج أمضى خمس أو ست سنوات في الدراسة، ثم سنة امتياز في بعض التخصصات، يمثل التكليف نقطة دخول إلى الممارسة المهنية واكتساب الخبرة والاحتكاك بالمؤسسات الصحية.

ولهذا يشعر بعض الخريجين بأن اختزال الأزمة في «وظيفة حكومية ذات راتب محدود» لا يعبر عن حقيقتها.

المسألة بالنسبة إليهم ترتبط بسؤال: ماذا يفعل الخريج في اليوم التالي لانتهاء دراسته؟

ومن المسؤول عن رسم الطريق من الجامعة إلى سوق العمل؟

بين «الحوكمة» و«الثقة»

لا يمكن تجاهل منطق وزارة الصحة في ضرورة ضبط أعداد القوى البشرية وتوزيعها طبقًا للاحتياجات الفعلية؛ فلا توجد منظومة صحية يمكنها تعيين أعداد غير محدودة بصرف النظر عن حاجتها.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الانتقال من نظام استمر لسنوات إلى نظام جديد دون مرحلة انتقالية واضحة قد يخلق شعورًا بعدم الاستقرار لدى الطلاب الذين اتخذوا قرارات تعليمية ومهنية في ظل النظام السابق.

وهنا ربما تكمن المشكلة الحقيقية:

ليست القضية في مبدأ «التكليف حسب الاحتياج» وحده، وإنما في توقيت تطبيقه، والدفعات التي يسري عليها، ومدى وضوح الإعلان عنه قبل التحاق الطلاب بالكليات، وشفافية معايير اختيار من سيشملهم التكليف.

 2024.. الأزمة لم تنته بعد

وإذا كان الجزء الأكبر من الجدل الحالي يدور حول دفعة 2023، فإن القلق يمتد بالفعل إلى خريجي دفعة 2024 الذين يتابعون مصير الدفعة السابقة باعتباره مؤشرًا لما ينتظرهم.

وهذا ما يجعل حسم الملف أكثر إلحاحًا؛ لأن استمرار الغموض لا يؤثر في دفعة واحدة، وإنما ينتقل إلى الدفعات التالية، ثم إلى الطلاب الموجودين حاليًا داخل الكليات وأسرهم.

المطلوب.. إجابات واضحة

بعيدًا عن تبادل الاتهامات، يبدو أن الأزمة أصبحت في حاجة إلى بيان رسمي تفصيلي يجيب عن مجموعة محددة من الأسئلة: ما الاحتياج الحقيقي للدولة من أطباء الأسنان والصيادلة وأخصائيي العلاج الطبيعي؟ وكيف تم حسابه؟ وما مصير من لم يشملهم تكليف 2023؟ وهل ستكون هناك حركة تكميلية؟ وما القواعد التي ستطبق على دفعة 2024؟ ومن أي دفعة سيصبح «التكليف حسب الاحتياج» قاعدة مستقرة ومعلنة قبل الالتحاق بالجامعة؟

والأهم: كيف ستنسق الدولة مستقبلًا بين أعداد المقبولين في كليات القطاع الصحي وبين احتياجات المنظومة الصحية وسوق العمل، حتى لا تتكرر الأزمة؟

بوابة مصر الصحية: القضية تحتاج إلى حوار لا إلى غموض

ما تكشفه الرسائل التي وصلت إلى بوابة مصر الصحية هو أن خلف أرقام التكليف شبابًا وأسرًا استثمروا سنوات طويلة في التعليم، وأن حالة الغضب الحالية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد اعتراض على قرار إداري.

وفي المقابل، فإن إدارة المنظومة الصحية وفق الاحتياجات الحقيقية للدولة مبدأ مفهوم وضروري، لكن نجاحه يتطلب قواعد انتقالية واضحة، وشفافية كاملة، وإعلانًا مسبقًا للطلاب قبل اختيار مساراتهم الجامعية، وربطًا حقيقيًا بين سياسات القبول في التعليم العالي واحتياجات سوق العمل.

فالخلاف الحقيقي ليس بين الدولة وشبابها، ولا ينبغي أن يتحول إلى ذلك.

إنه خلاف حول سؤال يجب أن تكون إجابته واضحة قبل أن يدخل الطالب باب الكلية، لا بعد أن يخرج منه: ماذا ينتظره بعد التخرج؟

وهذا هو السؤال الذي ينتظر آلاف الخريجين اليوم إجابة رسمية واضحة عنه.

نص البيان العاجل بشأن أزمة تكليف خريجي المهن الطبية

وتنشر «بوابة مصر الصحية» نص البيان العاجل المقدم بشأن أزمة تكليف خريجي طب الأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة دفعتي 2023 و2024، لما يتضمنه من مطالب وتساؤلات قانونية تتعلق بمصير الخريجين:

نص البيان:

تكليف خريجي كليات طب الأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة دفعتي 2023 و2024 بالكامل

احتراما لأحكام الدستور والقانون وتحقيقا لمبادئ العدل والمساواة وصونا للمراكز القانونية المستقرة للخريجين.

لقد تحولت أزمة التكليف إلى قضية رأي عام تمس مستقبل عشرات الآلاف من شباب مصر وأسرهم، وأصبحت تمس الثقة في مؤسسات الدولة وسيادة القانون، ولم يعد مقبولا استمرار حالة التأخير والغموض في إدارة هذا الملف، بينما تتزايد حالة القلق بين الخريجين وأسرهم و حيث ان هذه القضية لا تتعلق بأرقام أو نسب، وإنما بحقوق قانونية ودستورية ومستقبل المنظومة الصحية المصرية.

* لا يجوز تطبيق توصية سبتمبر 2022 بشأن التكليف وفقًا للاحتياج بأثر رجعي على الطلاب الذين التحقوا بكلياتهم قبل صدورها، إذ إن دفعات 2018 و2019 التحقت في ظل نظام قانوني كان يكفل التكليف، وأي تطبيق لاحق يهدر مبدأ عدم رجعية القرارات ويخل بالمراكز القانونية المستقرة والثقة المشروعة.

* صدرت تصريحات رسمية أكدت أن تطبيق النظام الجديد سيكون اعتبارا من دفعة 2025، ثم تغيرت الرواية إلى أن المقصود هو “حركة تكليف 2025”، وهو ما أثار حالة من الالتباس تستوجب توضيحًا رسميًا.

*لا يجوز تحميل الخريجين نتائج التوسع في إنشاء الكليات وزيادة أعداد المقبولين، وهي سياسات لم يكونوا طرفًا في اتخاذها.

* جاءت توجيهات السيد رئيس الجمهورية واضحة بضرورة إعلان أي تعديل في النظام قبل التحاق الطلاب بالكليات، حتى يكونوا على بينة من مستقبلهم، وليس بعد سنوات من الدراسة.

* تأخر إنهاء إجراءات تكليف دفعة 2023، وعدم بدء إجراءات دفعة 2024 في المواعيد القانونية، يثيران تساؤلات حول الالتزام بالقانون.

* أكد السادة النواب بلجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب ضرورة الالتزام بالقانون رقم 29 لسنة 1974، وعدم تطبيق القرارات بأثر رجعي، واحترام المدد القانونية، وتحقيق المساواة، ورفض الاعتماد على المجموع الخام لاختلاف نظم التقييم بين الجامعات مع إعادة دراسة تقديرات الاحتياج.

*علاج الأزمة يكون بالاستثمار في الكوادر الطبية، والتوسع في الإمكانيات والمنشآت الصحية، وليس بحرمان الخريجين من حقهم.

* كما تطرح الحركة التكميلية لدفعة 2023 تساؤلات حول سندها القانوني وآلية تنفيذها ومصير دفعة 2024.

* لا تزال معايير الاختيار غير معلنة، مع وجود تساؤلات بشأن الاعتماد على مجاميع تختلف طرق احتسابها بين الجامعات، وهو ما يستوجب إعلان معايير موحدة وشفافة.

* السلطة التقديرية للإدارة ليست سلطة مطلقة، وإنما تخضع للدستور والقانون والرقابة القضائية، كما أن الخريجين اكتسبوا توقعًا مشروعًا باستمرار نظام التكليف الذي التحقوا في ظله.

وقد حسم الدستور هذا الأمر في المواد (4)، و(9)، و(11)، و(12)، و(14)، و(27)، و(53)، و(92)، التي أكدت مبادئ المساواة، وتكافؤ الفرص، والحق في العمل، والعدالة الاجتماعية، وحماية الحقوق.

لذلك، نطالب الحكومة بـ:

إصدار قرار عاجل بتكليف خريجي كليات طب الأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة دفعتي 2023 و2024 بالكامل.

عدم تطبيق توصية سبتمبر 2022 بأثر رجعي. الالتزام بالمدد القانونية المنصوص عليها في قانون التكليف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top