من «فيسبوك» إلى «تيك توك».. هيئة الدواء تلاحق الإعلانات المضللة
قائمة علنية تكشف الإعلانات غير المرخصة لمنتجات مسجلة وأخرى غير مسجلة.. ويس رجائي: الإعلان عن المستحضر يخضع لموافقة مسبقة.. وعلي عوف يحذر من «الفوضى الإعلانية» على السوشيال ميديا
لم يعد الإعلان عن الدواء مجرد رسالة تجارية تمر أمام المشاهد وتنتهي. ففي عصر «فيسبوك» و«إنستجرام» و«تيك توك»، قد يتحول فيديو لا يتجاوز عدة ثوانٍ إلى قرار علاجي: شراء مستحضر، تجربة حقن للتخسيس، تناول منتج مجهول المصدر، أو حتى تأخير زيارة الطبيب اعتمادًا على وعد بـ«علاج مضمون».
وسط هذا المشهد، اتخذت هيئة الدواء المصرية خطوة رقابية مهمة بإتاحة قائمة علنية للإعلانات المخالفة، تسمح للمواطن بالاطلاع على ما ترصده الهيئة من مخالفات مرتبطة بالإعلان والتسويق للمنتجات الدوائية والطبية.
الخطوة جاءت بعد سنوات من التوسع الهائل في تسويق المنتجات الصحية عبر المنصات الرقمية، وهو ما يجعلها متأخرة نسبيًا قياسًا بسرعة انتشار الظاهرة، لكنها تفتح في الوقت نفسه بابًا جديدًا للشفافية، وتنقل جانبًا من الرقابة من الدوائر التنظيمية المغلقة إلى الجمهور نفسه.
واللافت أن الهيئة كانت قد أعلنت في 18 أغسطس 2026 عن الخدمة التي تتيح للجمهور الاطلاع على المخالفات الإعلانية، قبل أن تعلن في 2 سبتمبر إطلاق «قائمة الإعلانات المخالفة» على موقعها الرسمي، مؤكدة أن الهدف هو حماية الصحة العامة ورفع الوعي بالمحتوى التسويقي غير المرخص أو المضلل.
ماذا تكشف القائمة؟
القائمة لا تكتفي بالإشارة إلى وجود مخالفة، وإنما تعرض بيانات تساعد على تتبعها؛ إذ تظهر بها، بحسب السجلات المنشورة، معلومات مثل اسم المنتج، ورمز المخالفة، ونوع المادة الإعلانية، والجهة المعلنة، ووسيلة النشر، وتاريخ رصد الإعلان وحالته.
وتكشف نظرة إلى القائمة عن حضور واضح لمنصات التواصل الاجتماعي ضمن وسائل نشر الإعلانات محل المخالفات، بما فيها «فيسبوك» و«إنستجرام» و«تيك توك»، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي انتقلت إليه الرقابة الدوائية من الإعلان التقليدي إلى المحتوى الرقمي سريع الانتشار.
وتقسم الهيئة المخالفات إلى مسارين مهمين: إعلانات غير مرخصة تخص منتجات مسجلة بالفعل لدى هيئة الدواء، وقد تحتوي على مواد أو ادعاءات دعائية غير معتمدة، وإعلانات لمنتجات غير مسجلة يتم الترويج لها بادعاءات تسويقية أو طبية مضللة.
وهنا يبرز فارق بالغ الأهمية: ظهور اسم منتج في قائمة المخالفات الإعلانية لا يعني تلقائيًا أن المنتج مغشوش أو غير صالح للاستخدام.
فقد يكون المستحضر مسجلًا بصورة قانونية، بينما تكمن المخالفة في الإعلان نفسه أو في محتواه أو عدم الحصول على التصريح المطلوب. أما المنتج غير المسجل، فالقضية مختلفة؛ لأنه لم يمر عبر المسار التنظيمي المصري اللازم لإثبات تسجيله وتداوله وفق القواعد المعمول بها.
يس رجائي: الإعلان نفسه يحتاج إلى موافقة
هذه النقطة أكدها الدكتور يس رجائي، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، في تصريحات صحفية سابقة تناول فيها قواعد الإعلان الدوائي.
وأوضح رجائي أن الشركات، قبل إذاعة أو نشر إعلان عن مستحضر دوائي عبر المنصات الإعلامية المختلفة، مطالبة بعرض المادة الإعلانية على هيئة الدواء واستيفاء الاشتراطات والحصول على الموافقة، مشيرًا إلى وجود إدارة مختصة بالرقابة على التسويق والإعلان، وأن رصد إعلان مخالف يقود إلى اتخاذ إجراءات بشأنه بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وحدد رجائي أمثلة لما يجعل الإعلان غير ملائم، من بينها الادعاء باستخدام علاجي غير مرخص للمنتج، والمبالغة في وصف تأثيره دون سند علمي، أو الزعم بأنه يحقق الشفاء التام من أمراض مزمنة.
وهذه التصريحات تضع يدها على جوهر القضية: تسجيل الدواء شيء، والموافقة على ما يُقال عنه في الإعلان شيء آخر.
فالمنتج قد يكون قانونيًا ومسجلًا، لكن ذلك لا يمنح المعلن الحق في إضافة وعود علاجية أو فوائد لم تعتمدها الجهة التنظيمية.
ولم تبدأ هيئة الدواء تنظيم هذا الملف اليوم؛ فقد دشنت قبل سنوات منصة «برومات» لميكنة إجراءات الموافقة على مواد التسويق والإعلان، وقالت وقتها إن من أهداف مراجعة المواد قبل وصولها إلى الجمهور التأكد من صحة الادعاءات الطبية والحد من التضليل والمبالغة. الجديد الآن هو إتاحة جانب من نتائج الرصد نفسه أمام الجمهور بصورة مباشرة.

من الإعلان المخالف إلى دواء مجهول المصدر
خطورة الملف تتصاعد عندما لا يكون الأمر متعلقًا بإعلان غير معتمد لدواء مسجل، وإنما بالترويج لمنتج غير مسجل من الأساس.
وفي سبتمبر الجاري، ظهرت القضية بصورة واضحة مع تداول مادة ريتاتروتايد Retatrutide المستخدمة تجريبيًا في مجال علاج السمنة. وأكد يس رجائي أن المستحضر غير مسجل لدى هيئة الدواء المصرية حتى الآن، وأنه بالنسبة للسوق المصرية يعد منتجًا غير مسجل ومجهول المصدر إذا جرى تداوله خارج القنوات الرسمية.
ولخص رجائي المشكلة في سؤال مباشر يتعلق بقدرة المريض على معرفة أين صُنع الدواء وكيف نُقل وتداول وما إذا كان قد خضع للفحص، مؤكدًا أن الدواء غير المسجل لا يكون قد مر بالمراحل الرقابية التي تسمح للجهة التنظيمية بالتحقق من مأمونيته وفاعليته داخل السوق المصرية.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة لأن رصد الإعلانات لم يعد قضية نظرية؛ فالقائمة الجديدة تضمنت بالفعل إعلانات مرتبطة بمنتجات ومواد غير مسجلة يجري الترويج لبعضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
علي عوف: «فوضى إعلانية» على السوشيال ميديا
التحذيرات لا تأتي من الجهة التنظيمية وحدها.
ففي يناير 2026، وصف الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالاتحاد العام للغرف التجارية، ما يحدث على منصات التواصل بأنه «فوضى إعلانية» تمثل خطرًا كبيرًا، محذرًا من استخدام وصفات أو مستحضرات يتم الترويج لها بعيدًا عن المتخصصين.
وشدد عوف على أن الاعتماد على المتخصصين يمثل الضمانة الأساسية لتجنب التضليل، لافتًا إلى استغلال حاجة بعض المرضى للشفاء في الترويج لمنتجات ووصفات غير معتمدة.
وليست هذه المرة الأولى التي يحذر فيها من الظاهرة؛ ففي تصريحات سابقة أكد أن شراء الأدوية من صفحات التواصل الاجتماعي يضع المستهلك أمام منتجات لا يعرف مصدرها أو ظروف تخزينها ونقلها، مشددًا على أن القناة الآمنة للحصول على الدواء هي المنشآت المرخصة والخاضعة للرقابة.
وتمنح هذه التحذيرات خلفية مهمة لفهم سبب أهمية القائمة الجديدة: المشكلة لم تعد فقط في وجود إعلان مخالف، وإنما فيما قد يقود إليه الإعلان من شراء وتداول واستخدام فعلي للمنتج.
السوشيال ميديا غيرت قواعد اللعبة
في الإعلان التقليدي كان من الممكن تحديد القناة أو الصحيفة والجهة المعلنة ومدة بث الإعلان بصورة واضحة نسبيًا. أما اليوم فقد يظهر المنتج داخل فيديو لمؤثر، أو «ريلز»، أو بث مباشر، أو منشور يبدو في ظاهره تجربة شخصية وليس إعلانًا.
وهنا تصبح الحدود بين «النصيحة» و«التجربة الشخصية» و«الإعلان المدفوع» أقل وضوحًا أمام المتلقي.
والأخطر أن الخوارزميات تستطيع دفع المحتوى إلى أعداد ضخمة من المستخدمين خلال ساعات، بينما يحتاج الرصد والتحقق واتخاذ الإجراءات إلى وقت؛ وبالتالي فإن الإعلان قد يحقق تأثيره قبل أن تتمكن الجهة الرقابية من وقفه.
ولهذا لا يكفي أن تعرف الجهات الرقابية أن هناك مخالفة، بل تصبح سرعة إعلان المخالفة للجمهور جزءًا من عملية الحماية نفسها.
المواطن أصبح شريكًا في الرقابة
أحد أهم عناصر النظام الجديد أن هيئة الدواء لا تضع المواطن في موقع المتلقي فقط، بل تتيح له الإبلاغ عن المواد الدعائية التي يشتبه في مخالفتها.
والفكرة ليست جديدة بالكامل؛ إذ كانت الهيئة قد رقمنت سابقًا خدمة «إعلان غير ملائم» للإبلاغ عن المخالفات المتعلقة بمواد التسويق والإعلان الدوائي، مؤكدة أن البلاغات وبيانات مقدميها يجري التعامل معها بسرية.
ومع إطلاق القائمة الجديدة، دعت الهيئة المواطنين مجددًا إلى الإبلاغ عبر خدمة «إعلان غير ملائم»، أو البريد الإلكتروني pm.complaint@edaegypt.gov.eg، أو الخط الساخن 15301.
وهذا التحول مهم؛ فمن المستحيل عمليًا أن تتابع جهة رقابية بمفردها كل إعلان وفيديو وحساب على عشرات المنصات، بينما يستطيع الجمهور أن يصبح شبكة إنذار واسعة تساعد على الوصول إلى المحتوى المشكوك فيه بسرعة أكبر.
الخطوة مهمة.. لكن القائمة تحتاج إلى ما بعدها
إتاحة المخالفات للجمهور تمثل تقدمًا واضحًا في الشفافية، لكن القيمة الحقيقية للقائمة ستتحدد بما يحدث بعد تسجيل المخالفة.
فالمواطن الذي يدخل إلى قاعدة البيانات لا يريد فقط معرفة أن إعلانًا ما مخالف، وإنما يحتاج إلى معرفة ماذا حدث بعد ذلك: هل أزيل الإعلان؟ هل أوقفت الجهة المعلنة؟ هل المخالفة ما زالت نشطة؟ هل المنتج مسجل والمشكلة في الإعلان فقط، أم أن المنتج نفسه غير مسجل؟ وما الإجراء الرقابي أو القانوني الذي انتهت إليه الحالة؟
والقائمة المنشورة تتضمن بالفعل خانة للحالة، وهو أساس يمكن البناء عليه، لكن تطوير الخدمة ليشمل نتائج الإجراءات بصورة أكثر وضوحًا سيحولها من مجرد سجل للمخالفات إلى أداة رقابية أكثر اكتمالًا.
كما أن وجود محرك بحث بسيط باسم المنتج أو الجهة المعلنة، وتحديث سريع للحالات، وربط القائمة بقاعدة بيانات المستحضرات المسجلة، من شأنه أن يجعل استخدامها أسهل بالنسبة للمواطن والصيدلي والصحفي على حد سواء.

قبل أن تشتري دواءً من إعلان
القاعدة الأبسط هي ألا يتحول الإعلان وحده إلى وصفة علاج.
وعندما يعدك محتوى على مواقع التواصل بـ«شفاء نهائي»، أو «نتيجة مضمونة»، أو تأثير طبي استثنائي، أو يدفعك إلى شراء دواء من صفحة أو رقم هاتف بعيدًا عن القنوات المرخصة، فهذه أسباب كافية للتوقف والتحقق.
وجود المنتج في السوق لا يعني أن كل ما يقال عنه صحيح، وظهور شخص يرتدي بالطو أبيض لا يحول الإعلان إلى استشارة طبية، كما أن آلاف المشاهدات والتعليقات لا تمثل دليلًا على مأمونية المستحضر أو فعاليته.
من «رصد المخالفة» إلى منع الضرر
إطلاق هيئة الدواء قائمة علنية للإعلانات المخالفة خطوة تأخرت أمام سرعة النمو الهائلة للإعلان الطبي عبر السوشيال ميديا، لكنها تظل خطوة بالغة الأهمية؛ لأنها تمنح المواطن لأول مرة نافذة مباشرة للاطلاع على جانب من المخالفات التي ترصدها الجهة المنظمة للدواء.
والتحدي الآن هو ألا تبقى القائمة مجرد صفحة تحصي ما حدث بالفعل، وإنما أن تتطور إلى منظومة إنذار مبكر تربط بين الرصد والإعلان السريع للمخالفة والإزالة والمساءلة، مع تعاون أكبر من المنصات الرقمية والجهات المعنية.
فالدواء ليس سلعة عادية، والإعلان عنه لا ينتهي عند قرار الشراء.
قد يبدأ الأمر بفيديو مدته 30 ثانية، لكنه قد ينتهي بمريض يتناول منتجًا غير مناسب، أو يشتري دواءً مجهول المصدر، أو يؤخر علاجًا يحتاج إليه.
ولهذا فإن المعركة مع الإعلان الدوائي المضلل ليست معركة تنظيم للسوق فقط، بل جزء مباشر من سلامة المريض وحقه في الحصول على معلومة دوائية صحيحة قبل أن يتخذ قرارًا قد يمس صحته وحياته.



