قوانين غير مسبوقة لمواجهة السجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين.. والمالديف تمنع التبغ عن جيل كامل، وأستراليا تقصر بيع منتجات التدخين الإلكتروني على الصيدليات
تقرير خاص : بوابة مصر الصحية
تبدأ المملكة المتحدة، الخميس 29 أكتوبر 2026، تطبيق حزمة جديدة من القيود على بيع منتجات النيكوتين والسجائر الإلكترونية، في خطوة تستهدف حماية الأطفال والمراهقين من الإدمان، وتغلق ثغرات قانونية سمحت بتداول بعض منتجات النيكوتين بين القُصّر، بينما تتجه دول أخرى إلى فرض إجراءات أكثر صرامة، تصل إلى حظر بيع التبغ نهائيًا للأجيال الجديدة.
وتأتي الإجراءات البريطانية بموجب قانون التبغ والسجائر الإلكترونية لعام 2026، الذي أُقر في أبريل الماضي، في تحول يعكس اتجاهًا عالميًا متصاعدًا نحو مكافحة إدمان النيكوتين قبل بدايته، بدلًا من الاكتفاء بعلاج الأمراض المرتبطة بالتدخين بعد ظهورها.
ولا تقتصر هذه التحولات على بريطانيا؛ إذ سبقتها المالديف إلى تطبيق حظر دائم على التبغ لفئة محددة من المواليد، بينما فرضت أستراليا قيودًا مشددة على بيع السجائر الإلكترونية، واتجهت فرنسا وبلجيكا إلى حظر الأجهزة أحادية الاستخدام، في حين تبنت سنغافورة حظرًا شاملًا على التدخين الإلكتروني.
بريطانيا تغلق ثغرة قانونية سمحت بوصول النيكوتين إلى الأطفال
وفقًا للإرشادات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية البريطانية، يحظر القانون الجديد بيع جميع منتجات التدخين الإلكتروني والنيكوتين لمن تقل أعمارهم عن 18 عامًا، بما يشمل السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين والخالية منه، وأكياس النيكوتين والشرائط القابلة للذوبان وغيرها من المنتجات الحديثة.
وتكتسب الإجراءات أهمية خاصة فيما يتعلق بأكياس النيكوتين، وهي منتجات صغيرة توضع بين الشفة واللثة، وتسمح بامتصاص النيكوتين دون تدخين أو استنشاق.
وكانت هذه المنتجات تستفيد من ثغرة في التشريعات السابقة؛ إذ إنها لا تحتوي على التبغ ولا تُستخدم عن طريق الاستنشاق، ولذلك لم تكن مشمولة ببعض القيود العمرية المطبقة على السجائر التقليدية والإلكترونية.
وبموجب القانون الجديد، يصبح بيعها للقُصّر مخالفة قانونية، كما يُحظر على البالغين شراؤها نيابة عن أشخاص تقل أعمارهم عن 18 عامًا.
وتشمل الإجراءات كذلك حظر ماكينات البيع الآلي لمنتجات التبغ والنيكوتين والسجائر الإلكترونية، مع استثناءات محدودة لبعض مرافق الصحة النفسية، إلى جانب منع توزيع العينات المجانية والعروض الترويجية التي تعتمد على تخفيضات كبيرة لتشجيع استهلاك هذه المنتجات.
وتتيح التشريعات فرض غرامات فورية تصل إلى 200 جنيه إسترليني على بعض المخالفات، فضلًا عن عقوبات وإجراءات قانونية أخرى.
ولا تعني هذه الخطوة حظر السجائر الإلكترونية بالكامل في بريطانيا، إذ يظل بيع بعض أنواعها للبالغين مسموحًا وفق الضوابط القانونية، بينما تركز الإجراءات الجديدة على توسيع الحماية العمرية والحد من وسائل الترويج والوصول إلى المنتجات.
اقرأ ايضًا: التدخين يضر الخصوبة.. دراسة تكشف تأثيرات مختلفة على المبيض والخصية
يناير 2027.. بريطانيا تبدأ تطبيق قانون «الجيل الخالي من التدخين»
لا تتوقف الإجراءات البريطانية عند القيود الجديدة المقرر تطبيقها الخميس، إذ تستعد البلاد لاتخاذ خطوة أكثر تأثيرًا اعتبارًا من الأول من يناير 2027، تتمثل في حظر بيع منتجات التبغ لأي شخص مولود في الأول من يناير 2009 أو بعده.
ويعتمد القانون على فكرة مختلفة عن الحد الأدنى التقليدي لسن التدخين؛ فبدلًا من السماح بشراء التبغ بمجرد بلوغ سن 18 عامًا، سيظل البيع محظورًا على الفئة المستهدفة طوال حياتها.
وبذلك، فإن الشخص المولود بعد التاريخ المحدد لن يصبح مؤهلًا قانونيًا لشراء التبغ عند بلوغ سن العشرين أو الثلاثين أو حتى الأربعين، لأن معيار الحظر يرتبط بتاريخ الميلاد وليس بالعمر وحده.
وتستهدف السياسة تقليل أعداد الأشخاص الذين يبدأون التدخين مستقبلًا، وخفض العبء طويل الأمد للأمراض المرتبطة بالتبغ، وفي مقدمتها أمراض القلب والأوعية الدموية وسرطان الرئة والانسداد الرئوي المزمن.

المالديف تسبق العالم وتحظر التبغ على جيل كامل
في تجربة تُعد من أبرز التحولات التشريعية عالميًا، بدأت المالديف في نوفمبر 2025 تطبيق قانون يحظر بيع وشراء واستخدام منتجات التبغ للأشخاص المولودين في الأول من يناير 2007 أو بعده.
ولا يقتصر الحظر على المواطنين، بل يشمل الزائرين الأجانب، ليصبح مرتبطًا بتاريخ الميلاد بصرف النظر عن الجنسية.
كما تحظر المالديف السجائر الإلكترونية ومنتجات التدخين الإلكتروني لجميع الأعمار، في إطار سياسة صحية تستهدف تقليل الاعتماد على النيكوتين والوقاية من الأمراض غير السارية.
وتُعد المالديف أول دولة تطبق حظرًا دائمًا على التبغ لفئة محددة من الأجيال، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، ما يجعل تجربتها محل متابعة دولية لقياس تأثير هذه السياسة في معدلات التدخين خلال السنوات المقبلة.
أستراليا.. السجائر الإلكترونية من المحال التجارية إلى الصيدليات
اختارت أستراليا مسارًا مختلفًا يقوم على إخضاع تداول السجائر الإلكترونية لضوابط صحية مشددة.
فمنذ يوليو 2024، أصبح بيع منتجات التدخين الإلكتروني مقتصرًا على الصيدليات المشاركة، لأغراض مرتبطة بالمساعدة على الإقلاع عن التدخين أو التعامل مع الاعتماد على النيكوتين، مع حظر بيعها في محال التبغ والمتاجر الصغيرة ومحال السجائر الإلكترونية.
وتسمح القواعد للبالغين من سن 18 عامًا بالحصول على بعض المنتجات العلاجية التي لا يتجاوز تركيز النيكوتين فيها 20 ملليجرامًا لكل ملليلتر دون وصفة طبية، بشرط استشارة الصيدلي والالتزام بالقوانين المحلية.
أما من تقل أعمارهم عن 18 عامًا، فيحتاجون إلى وصفة طبية في الحالات التي تسمح بها التشريعات المحلية.
كما حظرت أستراليا السجائر الإلكترونية أحادية الاستخدام، وفرضت قيودًا على النكهات والترويج، في محاولة للحد من الاستخدام الترفيهي والتسويق الذي قد يستهدف المراهقين.
فرنسا وبلجيكا.. مواجهة السجائر الإلكترونية أحادية الاستخدام
في أوروبا، اتجهت فرنسا وبلجيكا إلى حظر السجائر الإلكترونية أحادية الاستخدام، التي تُباع في أجهزة صغيرة جاهزة للاستعمال ثم التخلص منها.
وبدأت بلجيكا تطبيق الحظر في يناير 2025، تلتها فرنسا في فبراير من العام نفسه، وسط مخاوف من جاذبية هذه المنتجات للأطفال والمراهقين بسبب أسعارها وتصميماتها وألوانها ونكهاتها المتنوعة.
وتستهدف الإجراءات تقليل سهولة الوصول إلى الأجهزة منخفضة التكلفة، إلى جانب الحد من الأضرار البيئية الناتجة عن التخلص من البطاريات والمكونات الإلكترونية بعد فترة استخدام قصيرة.
وتختلف هذه القيود عن الحظر الشامل للسجائر الإلكترونية، إذ تستهدف فئة الأجهزة أحادية الاستخدام تحديدًا.
سنغافورة.. حظر شامل وتشديد العقوبات في 2026
أما سنغافورة، فتتبنى أحد أكثر النماذج صرامة، حيث تحظر شراء السجائر الإلكترونية وحيازتها واستخدامها منذ عام 2018، إضافة إلى حظر استيرادها وبيعها وتوزيعها.
وشهد عام 2026 تشديد الإطار التشريعي والعقوبات المرتبطة بمخالفات التدخين الإلكتروني، في ظل مخاوف متزايدة من انتشار منتجات قد تحتوي على مواد ضارة أو مؤثرات نفسية.
ويعكس النموذج السنغافوري اتجاهًا مختلفًا عن السياسة البريطانية، إذ لا يقتصر على منع بيع المنتجات للقُصّر، بل يحظر استخدامها وحيازتها بصورة عامة.

أكثر من 100 مليون مستخدم للسجائر الإلكترونية عالميًا
تأتي هذه التشريعات في ظل أرقام مقلقة كشفت عنها منظمة الصحة العالمية في أحدث تقرير عالمي لاتجاهات استخدام التبغ، الصادر في أكتوبر 2025.
فوفقًا لتقديرات المنظمة، يستخدم أكثر من 100 مليون شخص السجائر الإلكترونية حول العالم، بينهم ما لا يقل عن 15 مليون مراهق تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا.
وأظهرت البيانات أن الأطفال في البلدان التي تتوافر عنها معلومات أكثر عرضة لاستخدام السجائر الإلكترونية بنحو تسعة أضعاف مقارنة بالبالغين.
ورغم انخفاض عدد مستخدمي التبغ عالميًا من نحو 1.38 مليار شخص عام 2000 إلى 1.2 مليار عام 2024، فإن واحدًا من كل خمسة بالغين لا يزال يستخدم التبغ، بما يعكس استمرار العبء الصحي لهذه المنتجات.
وتحذر المنظمة من أن ظهور منتجات النيكوتين الجديدة، بما فيها السجائر الإلكترونية وأكياس النيكوتين والتبغ المسخن، قد يفتح مسارات جديدة للإدمان بين الشباب، ويهدد المكاسب التي تحققت في مكافحة التدخين التقليدي.
لماذا يمثل النيكوتين خطرًا خاصًا على الأطفال والمراهقين؟
يرتبط النيكوتين بقدرة مرتفعة على إحداث الاعتماد والإدمان، وتزداد خطورته خلال مرحلة المراهقة، حين لا يزال الدماغ يمر بمراحل مهمة من النمو والتطور.
وقد يؤثر التعرض للنيكوتين في العمليات المرتبطة بالانتباه والتعلم والتحكم في الاندفاع، كما يؤدي الاعتماد عليه إلى أعراض انسحابية تجعل التوقف عن استخدامه أكثر صعوبة.
ولا يعني غياب دخان التبغ التقليدي أن منتجات النيكوتين الجديدة آمنة؛ فأكياس النيكوتين قد تحتوي على تركيزات مرتفعة من المادة المسببة للإدمان، بينما قد يؤدي استنشاق رذاذ السجائر الإلكترونية إلى التعرض لمواد ضارة.
وفي الوقت نفسه، يميز التقييم العلمي بين التدخين التقليدي والتدخين الإلكتروني من حيث مستويات التعرض للمواد السامة، لكن انخفاض بعض المخاطر مقارنة بالسجائر المحترقة لا يجعل السجائر الإلكترونية خالية من الضرر، ولا يبرر استخدامها بين الأطفال والمراهقين وغير المدخنين.
هل تستطيع القوانين إنهاء إدمان النيكوتين؟
رغم التوسع في التشريعات، فإن إصدار قوانين الحظر وحده لا يضمن القضاء على التدخين أو إدمان النيكوتين.
فالنجاح يرتبط بقدرة الحكومات على تطبيق القوانين، ومنع البيع غير المشروع، والرقابة على التسويق الإلكتروني، وتوفير خدمات فعالة للإقلاع عن التدخين، إلى جانب متابعة معدلات الاستخدام بين الأطفال والمراهقين.
كما تثير السياسات الجديدة تساؤلات بشأن احتمالات انتقال بعض المستهلكين إلى الأسواق غير القانونية، ومدى قدرة الأجهزة الرقابية على منع تداول المنتجات المحظورة.
ولذلك، فإن تقييم هذه التجارب يتطلب متابعة طويلة الأمد، لقياس تأثيرها الفعلي في خفض معدلات التدخين والأمراض المرتبطة به.
وماذا عن مصر؟
تطرح التحولات العالمية تساؤلًا مهمًا بشأن مستقبل سياسات مكافحة التدخين في مصر، خاصة مع انتشار منتجات النيكوتين الحديثة وتنوع أشكال السجائر الإلكترونية ووسائل الترويج لها.
وتبرز أهمية مراجعة الضوابط المنظمة لتداول هذه المنتجات، وتعزيز الرقابة على منافذ البيع والتسويق الإلكتروني، والتأكد من عدم وصولها إلى الأطفال والمراهقين.
كما تفرض التطورات ضرورة توسيع برامج التوعية داخل المدارس والجامعات، ودعم خدمات الإقلاع عن التدخين، مع الاستفادة من التجارب الدولية وفقًا للواقع الصحي والتشريعي المصري.
ولا تعني الاستفادة من هذه النماذج تبني الحظر الشامل بالضرورة، وإنما تستدعي دراسة الأدلة العلمية والآثار الصحية والاجتماعية والاقتصادية لكل سياسة قبل تطبيقها.
العالم يغير قواعد المواجهة.. من علاج المدخنين إلى حماية الأجيال الجديدة
تكشف التجارب الدولية عن تحول متزايد في فلسفة مكافحة التدخين؛ فبعد عقود من التركيز على التوعية بمخاطر السجائر ومساعدة المدخنين على الإقلاع، بدأت دول تتجه إلى منع وصول منتجات النيكوتين إلى الأجيال الجديدة من الأساس.
وبينما تستعد بريطانيا لتطبيق قيود جديدة الخميس، وتخطط لحظر بيع التبغ على جيل كامل بداية العام المقبل، بدأت المالديف بالفعل تنفيذ هذا النموذج، واختارت دول أخرى تقييد منافذ البيع أو حظر بعض المنتجات الأكثر جذبًا للشباب.
ورغم اختلاف التشريعات، فإن الرسالة الصحية المشتركة أصبحت أكثر وضوحًا: حماية الأطفال من إدمان النيكوتين لم تعد مجرد مسؤولية أسرية أو قرار فردي، بل قضية صحة عامة تتطلب سياسات وتشريعات ورقابة فعالة.
فالمعركة المقبلة ضد التدخين لا تتعلق فقط بإنقاذ المدخنين من أضراره، وإنما بحماية جيل جديد من الوقوع في الإدمان قبل أن يبدأ.



