رغم اعتيادنا على سماع اسمه في كل شتاء، ما يزال فيروس الإنفلونزا واحدًا من أكثر مسببات العدوى انتشارًا على مستوى العالم، حيث تُقدّر منظمة الصحة العالمية عدد المصابين به سنويًا بأكثر من مليار شخص. ولا تقف خطورته عند حدة الأعراض فقط، إذ تتسبب مضاعفاته في وفاة ما بين 290 إلى 650 ألف شخص سنويًا، حتى داخل الدول التي تمتلك أنظمة صحية عالية الكفاءة.
أما المفاجأة التي لا يعرفها الكثيرون فهي أنّ المرض لا يرتبط فقط بالمناخ البارد؛ فالمناطق الحارة والرطبة تُسجل سنويًا أعدادًا كبيرة من الإصابات، ما يعني أن الإنفلونزا ليست “فيروس الشتاء” كما يظن البعض، بل مرض موسمي متقلب قادر على الانتشار في مختلف البيئات المناخية.

لماذا يمرض كل هذا العدد؟
يُعد فيروس الإنفلونزا من أسرع الفيروسات تحوّرًا، حيث تتغير تركيبته الجينية من موسم لآخر، وهذا يجعل المناعة الناتجة عن إصابة سابقة قصيرة الأجل. وحتى من شُفي من الفيروس قد يواجه سلالة أخرى مختلفة كليًا بعد أشهر قليلة، وهو ما يفسر الانتشار الواسع سنويًا.
ويملك الفيروس قدرة كبيرة على الانتقال، إذ ينتشر بسهولة عبر الرذاذ أثناء السعال والعطس، ويمكنه البقاء على الأسطح لفترات تسمح بانتقاله إلى أشخاص آخرين. ومع تكدّس المدارس ووسائل النقل والأماكن المغلقة، تصبح فرص انتقاله أعلى بكثير.
اللقاح الموسمي… هل يمنع الإصابة؟
لا يوجد لقاح قادر على منع المرض بنسبة كاملة، لكن اللقاح الموسمي للإنفلونزا يظل أفضل وسيلة لتقليل خطر العدوى والمضاعفات. وتشير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض إلى أن اللقاح يقلل احتمالات الإصابة بما يتراوح بين 40 و60 بالمئة حسب السلالة المنتشرة، كما يخفض مرات الدخول إلى المستشفى بشكل ملحوظ خاصة بين كبار السن والحوامل والمصابين بأمراض مزمنة. وحتى عند الإصابة بعد التطعيم، تكون الأعراض أخف كثيرًا، ويقل خطر الالتهاب الرئوي والفشل التنفسي.

من يتأثر أكثر؟
رغم أن معظم الأشخاص يتعافون من الإنفلونزا دون مضاعفات، فإن بعض الفئات تظل أكثر عرضة لمضاعفات خطيرة، مثل كبار السن والأطفال الصغار والحوامل ومرضى القلب والرئة والسكري وأصحاب المناعة الضعيفة. وتشير تقارير عالمية إلى أن واحدًا من بين كل عشرة مصابين ينتهي به الأمر بحاجة إلى رعاية طبية إذا كان لديه عامل خطورة واضح.
الوضع الوبائي في مصر
تؤكد وزارة الصحة المصرية أن انتشار فيروسات الجهاز التنفسي الموسمية—including الإنفلونزا—لا يزال في الحدود الطبيعية، وأن الصورة الوبائية بالبلاد مستقرة. وتقوم معامل الترصد القومي بشكل مستمر بفحص السلالات المنتشرة لتحديد أنماطها ودقة انتشارها. كما تؤكد الوزارة أن اللقاح الموسمي متوفر للفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، وأن الوقاية السلوكية ما تزال أحد أهم أسلحة الحد من الإصابات.
كيف يمكن تقليل خطر العدوى؟
الوقاية من الإنفلونزا ليست معقدة؛ فغسل اليدين بانتظام، وتحسين التهوية داخل المنازل والمدارس، وتجنب الأماكن المزدحمة خلال ذروة الانتشار، والالتزام بالراحة عند ظهور الأعراض، كلها إجراءات بسيطة لكنها فعالة في الحد من انتشار الفيروس. ويظل اللقاح الموسمي الإضافة الأهم التي تحمي من مضاعفات قد تصبح مهددة للحياة لدى بعض الفئات.



