تقرير: رجاء ناجي
بينما تستعد العاصمة الإدارية الجديدة لاحتضان الملتقى السنوي السادس للهيئة العامة للرعاية الصحية،تحت شعار”من الرؤية إلي التوسع..نرتقي بالرعاية الصحية إلي المعايير العالمية” تكشف الأرقام الرسمية أن منظومة التأمين الصحي الشامل لم تعد مشروعًا تجريبيًا، بل تجربة إصلاح حقيقية بدأت تؤتي ثمارها في محافظات المرحلة الأولى. أكثر من 7 ملايين خدمة طبية قُدمت للمواطنين في بورسعيد والأقصر والإسماعيلية وجنوب سيناء والسويس وأسوان، وهو رقم يعكس انتقالًا نوعيًا في مفهوم الرعاية الصحية ، خاصة في وقت أصبحت فيه تكلفة العلاج تمثل عبئًا ثقيلًا على ملايين الأسر.

فمنذ إطلاق المنظومة في 2019، كانت الفلسفة الأساسية واضحة: ضمان حق كل مواطن في الحصول على خدمة طبية شاملة بجودة عالية، دون أن يُضطر للاقتراض أو بيع ممتلكاته من أجل العلاج. وهذا المفهوم—الذي يمثل جوهر العدالة الصحية—لم يكن متاحًا بالكفاءة المطلوبة قبل تطبيق التأمين الصحي الشامل، خاصة مع ارتفاع أسعار الجراحات والإجراءات الطبية في القطاع الخاص.
ونلاحظ أن محافظات المرحلة الأولى، لم يكن التطوير مجرد تحسين للمباني أو شراء أجهزة جديدة، بل إعادة صياغة كاملة لنموذج تقديم الخدمة. فالمنظومة أعادت إحياء دور طب الأسرة باعتباره بوابة المواطن للنظام الصحي، وأعادت توزيع الموارد البشرية، ورفعت مستوى الاعتماد والجودة في المستشفيات،والتدريب الطبي المستمر، والتحول الرقمي،
ومع توسع المنظومة، ظهرت نتائج لا يمكن تجاهلها: خفض كبير في قوائم الانتظار داخل محافظات التطبيق، تحسن ملحوظ في جودة الجراحات الدقيقة، ودخول خدمات متقدمة لم تكن متاحة سابقًا فى المحافظات مثل زرع الكلى والقلب والقسطرة التداخلية. مما انعكس علي المواطن في محافظات المرحلة الأولى حيث أصبح يتمتع بتغطية طبية تتجاوز في بعض الجوانب ما تقدمه أنظمة صحية في دول أعلى دخلًا.
واليوم، ومع بدء الاستعداد لضم ست محافظات جديدة في المرحلة الثانية، يصبح المؤتمر السنوي السادس نقطة انطلاق نحو مرحلة توسعية تمثل دفعة قوية لإصلاح المنظومة الصحية المصرية على مستوى الجمهورية. فالتوسع لا يتعلق فقط بإضافة محافظات، بل بتوسيع القدرة التشغيلية، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، وتطبيق مئات مؤشرات الأداء التي أعلنت الهيئة عن تطويرها بالشراكة مع خبراء دوليين.
في ظل الارتفاع العالمي غير المسبوق في تكاليف العلاج وأسعار الأدوية والأجهزة، تبدو مصر بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى نظام يضمن حماية مالية وطبية للمواطن. والتأمين الصحي الشامل بوصفه مشروع دولة وليس مشروع وزارة يقدم هذا الدور بوضوح: معالجة الفجوات، توحيد المعايير، وخلق مظلة رعاية آمنة للمواطن في كل محافظة وقرية.
ومع انعقاد الملتقى تحت شعار «من الرؤية إلى التوسع… نرتقي بالرعاية الصحية إلى المعايير العالمية»، تتجه الأنظار إلى ما ستعلنه الهيئة حول خطتها للخمس سنوات المقبلة، خاصة مع اكتمال إعداد المنظومة الرقمية للحوكمة وإطلاق مؤشرات أداء موحدة للمستشفيات، وهي خطوة تُعد الأولى من نوعها في القطاع الصحي المصري.
إن التأمين الصحي الشامل ليس مجرد مشروع إصلاحي، بل تحول اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والخدمة الصحية. ومع كل توسع جديد، تقترب مصر خطوة إضافية من تحقيق الحلم الذي طال انتظاره… أن تصبح الصحة حقًا مضمونًا لكل مواطن وليس امتيازًا لمن يملك القدرة على الدفع.



