قبل سنوات قليلة، بدا سوق المكملات الغذائية في مصر سوقًا محدودًا لا يتجاوز صالات الألعاب الرياضية وبعض الصيدليات. اليوم تتحول هذه الصناعة إلى واحدة من أسرع القطاعات نموًا، تتقاطع مع الدواء والغذاء، وترتبط بصحة ملايين المواطنين، وتكشف عن فرص تصديرية قد تغيّر خريطة الصناعات الصحية المصرية خلال العقد المقبل.
في هذا الحوار، يضع الدكتور محمد أنور، رئيس الجمعية المصرية لمصدري ومنتجي المكملات الغذائية، ملامح هذا المشهد الجديد: حجم السوق الهائل، القاعدة الصناعية المحلية، تحديات التنظيم، مستقبل التصدير، وخطورة الخلط بين المكملات وبين «هرمونات الجيم» التي تسبب الفوضى وتشوه صورة القطاع.

إنفاق مرتفع… ووعي صحي يتشكل
يبدأ الدكتور محمد أنور حديثه بابتسامة تحمل الكثير من الدلالات وهو يصف حجم السوق:
«نحن أمام صناعة لم تعد هامشية، بل سوق تجاوز إنفاقه 50 مليار جنيه في عام 2024، بزيادة تقترب من 30% عن العام السابق.»
ويؤكد أن تضخّم الأسعار جزء من مشهد الزيادة، لكنه ليس التفسير الوحيد. فبعد جائحة كورونا تغيّرت نظرة المصريين إلى الصحة؛ أصبح فيتامين «د» والزنك والماغنسيوم عناصر أساسية في ثقافة الوقاية، وبدأ كثيرون يدركون أن أنماطًا غذائية فقيرة وسريعة، وضغوطًا نفسية مرتفعة، ونقص التعرض للشمس، جميعها عوامل تجعل الجسم في حاجة إلى دعم غذائي إضافي.
ويرى أنور أن هذه القفزة ليست دليل رفاهية بقدر ما تعكس تحوّلًا في الوعي الصحي. فـ«40% من المصريين يعانون أنيميا» ، والعديد من المواطنين يفتقرون إلى العناصر الأساسية التي لم يعد الغذاء وحده قادرًا على توفيرها.
ما بين الغذاء والدواء… هوية المكمل الحقيقية
يشدد رئيس الجمعية على ضرورة التفريق بين «المكمل الغذائي» و«الدواء». فالمكمل ليس علاجًا لأمراض حادة، ولا بديلاً عن علاج طبي، بل «منتج وسيط» بين الغذاء والدواء، دوره سد نقص المغذيات أو دعم وظائف الجسم، وليس إحداث مفعول دوائي مباشر.
ويتابع موضحًا:
“نحن لا نأكل جيدًا ولا نتحرك كما يجب… ومع نمط حياة كهذا تظهر الأنيميا، ونقص الفيتامينات، وضعف المناعة. هنا يظهر دور المكمل كجزء من خطة وقائية أو علاجية تحت إشراف متخصص، وليس وصفة جاهزة من مواقع التواصل.”
تصنيع محلي واسع… واستثمارات تتخطى 10 مليارات جنيه
ويؤكد أنور أن السوق المصرية تمتلك اليوم قاعدة صناعية حقيقية وليس مجرد نشاط تعبئة.
فهناك 34 مصنعًا متخصصًا وأكثر من 4500 شركة تصنيع لدى الغير، بإجمالي استثمارات تجاوزت 10 مليارات جنيه.
هذه القاعدة – كما يقول – تمتد عبر سلسلة قيمة كاملة، تبدأ من موردي الخامات، وتمتد إلى معامل التحاليل، وشركات التغليف، وشركات التوزيع، والصيدليات، وحتى شركات التصدير.
ويضيف: «السوق العالمي للمكملات بلغ 135 مليار دولار في 2024… ومصر لا تزال في بدايتها مقارنة بحجم النمو العالمي الذي يتراوح بين 10 و15% سنويًا.»
التصدير: من 250 مليون دولار… إلى «هدف المليار»
حول فرص التصدير، يكشف أنور أن صادرات مصر من المكملات تجاوزت 250 مليون دولار العام الماضي، مع خطة للوصول إلى مليار دولار خلال خمس سنوات.
ويشير إلى أن النصف الأول من 2025 شهد زيادة ملحوظة في الطلب من أسواق الخليج وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى عدد من الأسواق الأفريقية الناشئة التي ترى في المنتج المصري خيارًا «مناسب السعر… ومعتمدًا على معايير تصنيع جيدة».
ويؤكد أن «اتفاقيات الاعتراف المتبادل» بين مصر والدول العربية والأفريقية يمكن أن تضاعف حجم التصدير بسرعة كبيرة، وتحوّل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة.
القرار 725 لسنة 2024… التوازن بين الرقابة واستقرار السوق
وحول الجدل الدائر حول قرار هيئة الدواء الذي يمنع تخزين وتوزيع المكملات دون موافقتها، يرى أنور أن الهدف من القرار – وهو حماية المستهلك – غاية نبيلة، لكن تطبيقه فجّر ارتباكًا داخل القطاع.
ويقول: «نحن مع الرقابة والتنظيم، لكن من المهم وضع آليات واضحة وجدول زمني مقبول. فجأة وجد المستثمر نفسه مطالبًا بموافقات إضافية رغم حصوله على موافقة سلامة الغذاء. هذا يهدد خطط الاستثمار والتوسع.»
ويحذر من أن عدم وضوح الصورة خلال 2025 قد يؤدي إلى تباطؤ في النمو إذا لم تُراجع آليات التنفيذ.
بين المكملات وهرمونات الجيم… أخطر خلط في السوق
من أخطر ما يواجه الصناعة، كما يشرح أنور، هو الخلط بين المكملات الغذائية وبين منتجات تحمل مواد دوائية أو هرمونية تُباع داخل الجيم وتسببت في حالات وفاة أو مضاعفات شديدة، لأنها مجهوله المصدر وغير معلوم محتواها فهي مهربة،
يقول بوضوح:
«المشكلة ليست في المكمل، بل في بعض المواد المنشطة أو الهرمونات التي تُباع تحت ستار المكملات. المكمل الغذائي الرسمي يتمتع بهامش أمان مرتفع، بينما الكارثة تحدث عندما يضيف البعض مواد دوائية دون إعلان.»
ويؤكد أن الحل يبدأ من إحكام الرقابة على المصادر غير الرسمية، وتوعية الشباب بأن «ليس كل علبة في الجيم مكملًا… ولا كل نصيحة على تيك توك آمنة».
الأسعار بين الحرية والمسؤولية
وعن عدم خضوع المكملات لتسعير جبري، يرى أنور أن هذا الأمر يمنح الشركات مرونة للابتكار والتطوير كما يحدث عالميًا، لكنه يتطلب أيضًا ضوابط للإعلان والشفافية، حتى لا يقع المواطن فريسة للادعاءات المضللة.
ويتحدث بصراحة:
«أنا لا أطلب تسعيرًا جبريًا مثل الدواء، لكن أطالب بمسؤولية أخلاقية… وأن يعبّر سعر المنتج عن جودته فعلًا، لا عن حملة إعلانية مبالغ فيها.»
الاستخدام الرشيد… وضرورة الإشراف الطبي
ينصح رئيس الجمعية المواطنين بعدم التعامل مع المكملات باعتبارها «منتجات بلا ضرر»، مؤكدًا أن الاستخدام الرشيد ضروري، خاصة في حالات الأمراض المزمنة، والحمل والرضاعة، وفي المكملات المؤثرة على الهرمونات أو الوزن.
ويشدد على أن شراء المكمل يجب أن يكون من مصدر موثوق:
«صيدلية، سلسلة رسمية، أو منصة معتمدة. لا يجب بأي حال الاعتماد على بائع مجهول أو إعلان غامض على وسائل التواصل.»
نحو مركز إقليمي لصناعة المكملات
في ختام الحوار، يؤكد الدكتور محمد أنور أن الفرصة حقيقية وكبيرة.
«إذا تم المزج بين جودة التصنيع، وإطار تنظيمي واضح، ووعي مستهلك ناضج، ودعم حكومي للاتفاقات التصديرية، يمكن لمصر أن تصبح مركزًا إقليميًا لصناعة المكملات، يضيف للاقتصاد القومي… ويحسّن صحة المواطنين.»



