تدريب العقول المصرية على الإدارة… رؤية هيئة الرعاية الصحية لبناء جيل من قادة المستقبل

تدريب العقول المصرية على الإدارة… رؤية هيئة الرعاية الصحية لبناء جيل من قادة المستقبل

د. حسام سلامة عبدربه، المدير الطبي للمجمع الطبي بالإسماعيلية

شهد القطاع الصحي المصري خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا لم يعتمد فقط على تحديث المنشآت أو تطوير التجهيزات، بل ارتكز قبل كل شيء على الاستثمار في العنصر البشري، وعلى الإيمان بأن بناء نظام صحي حديث يبدأ من صناعة قيادة قوية قادرة على إدارة المؤسسات بكفاءة وتحويل الرؤية إلى واقع. وقد جسدت هيئة الرعاية الصحية هذا المفهوم بصورة واضحة، حين جعلت من تدريب العقول المصرية وإعداد قادة المستقبل ركيزة أساسية لاستراتيجية التطوير.

منذ اللحظة الأولى لوضع اللبنات الأولى لمنظومة التأمين الصحي الشامل، انتهج الدكتور أحمد السبكي، رئيس هيئة الرعاية الصحية، فلسفة تقوم على بناء الإنسان قبل بناء المباني. فالإدارة الصحية الحديثة لم تعد تُدار بعامل الخبرة وحده، بل بمهارات القيادة، والتحليل، واتخاذ القرار، وإدارة الموارد، وقيادة التغيير داخل المؤسسات الصحية. ولهذا جاءت الاستراتيجية التي تبنتها الهيئة لتضع التدريب المستمر، والتمكين، وتطبيق نظم الإدارة العالمية في صدارة أولوياتها. ومع مرور الوقت، تحولت منشآت الهيئة نفسها إلى نموذج تدريبي حيّ؛ بيئة تعلم متكاملة تعمل وفق معايير JCI وGAHAR وISO، وهو ما منح العاملين خبرة يومية في إدارة المخاطر، وسلامة المريض، والتحول الرقمي، وثقافة التحسين المستمر.

ويلعب الدكتور أمير التلواني، المدير التنفيذي للهيئة، دورًا محوريًا في تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس. فقد عمل بمنهجية دقيقة على اختيار الكفاءات الواعدة داخل الهيئة وتوجيهها إلى برامج تدريبية متقدمة داخل مصر وخارجها، لا بهدف اكتساب المعرفة النظرية فقط، بل لبناء شخصية قيادية قادرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرار وتحسين بيئة العمل وقيادة فرق متعددة التخصصات. وقد انعكس هذا الاستثمار في ظهور جيل جديد من القيادات الشابة التي باتت تتولى إدارة منشآت كبيرة بكفاءة عالية وتحقق نتائج ملحوظة في الجودة والأداء.

تجربة هيئة الرعاية الصحية اليوم تُعد مثالًا حيًا على أن الإدارة ليست وظيفة، بل علم وفكر وثقافة. فالعمل اليومي داخل منشآت تطبق المعايير الدولية يمنح كل طبيب وإداري وممرض فرصة للتعلم المستمر دون الحاجة إلى مغادرة مقر العمل. كل ملف يُراجع، وكل شكوى تُحلل، وكل قرار تنظيمي يُتخذ، يتحول إلى درس عملي في القيادة والإدارة والحوكمة. وهكذا خلقت الهيئة منظومة يتعلم فيها الإنسان من واقعه، ويتطور من خلال ممارساته، ويشارك في بناء مؤسسة تتقدم يومًا بعد يوم.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن هيئة الرعاية الصحية لا تكتفي بإدارة منشآت، بل تصنع قادة. قادة يمتلكون أدوات الإدارة الحديثة، قادرون على تطوير الخدمات وضمان الجودة وتحقيق رؤية الدولة في توفير رعاية صحية تليق بالمواطن المصري. وما نشهده اليوم ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة يتأسس فيها القطاع الصحي على أكتاف كوادر واعية ومدرَّبة، تمتلك رؤية وتخطيطًا وقدرة على قيادة نظام صحي معقد نحو مستقبل أفضل.

إن الاستثمار في الإنسان، في عقله ومهاراته، ليس شعارًا تنمويًا، بل أساس لأي إصلاح صحي حقيقي. وما تقدمه هيئة الرعاية الصحية اليوم هو مشروع دولة يبني كوادرها قبل منشآتها، ويخلق جيلًا من القادة القادرين على المنافسة محليًا وإقليميًا، ويمهد لمنظومة صحية حديثة تقودها عقول مصرية صنعتها الخبرة والمعرفة والإدارة الرشيدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top