لم تكن سنوات الطفلة الصغيرة الثلاث الماضية سوى سلسلة لا تنتهي من غرف الطوارئ، ونقل الدم، والحقن اليومية المؤلمة. عاشت طفولة مقيّدة على أسرّة المستشفيات، تتنقل بين العيادات بحثًا عن إجابة لسؤال واحد: لماذا لا يتوقف النزيف؟
كان النزيف الشرجي الحاد ينهك جسدها النحيل، يهبط بمعدل الهيموجلوبين إلى مستويات خطرة، ويُدخلها دوامة من التوتر والإنهاك المستمرين. حاولت أسرتها كل ما يمكن فعله، حتى أصبحت جرعات «الساندوستاتين» جزءًا من يومها، من دون تحسن حقيقي يوقف النزيف عند جذره.
في لحظة يأس، جاءت بارقة الأمل من منظومة شكاوى مجلس الوزراء التي أحالت الطفلة إلى المكان الوحيد الذي يمتلك ما تحتاجه فعليًا: وحدة مناظير الجهاز الهضمي المتقدمة بمستشفى أحمد ماهر التعليمي التابعة للهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية.
هذه الوحدة تُعد واحدة من المراكز القليلة في مصر التي تتوفر فيها تقنية منظار الأمعاء الدقيقة للأطفال، وهي تقنية دقيقة ونادرة تُستخدم للوصول إلى أماكن يصعب كشفها بالطرق التقليدية.
استقبل فريق المناظير المتخصص الحالة بقيادة الدكتور أحمد عبده يوسف، استشاري مناظير الجهاز الهضمي المتقدمة ومناظير الأمعاء الدقيقة. وبعد تقييم دقيق، كان القرار إجراء منظار أمعاء دقيقة للطفلة في محاولة للوصول إلى مصدر النزيف الذي استعصى على الأطباء لسنوات.
في غرفة المناظير، وبين أجهزة متطورة تضاهي كبرى المراكز العالمية، تمكن الفريق من الوصول إلى السبب الحقيقي للنزيف، وعلاجه بالكامل في الجلسة نفسها، ومن دون أي تدخل جراحي أو مضاعفات.
كانت لحظة فاصلة أنهت ثلاث سنوات من الألم والخوف، وفتحت بابًا لحياة جديدة لطفلة لم تعرف طعم اللعب أو الراحة.
اليوم، غادرت الطفلة المستشفى من دون حاجة إلى نقل دم أو حقن أو زيارات طارئة. نزيف دام 1095 يومًا انتهى بمنظار واحد… وبفريق طبي يعمل بإصرار وإيمان.
قصة إنسانية تؤكد أن الطب المتقدم ليس رفاهية، بل طوق نجاة يعيد طفولتها إلى مسارها الطبيعي، ويعيد الأمل إلى أسر فقدت الأمل طويلًا.



