بقلم – رجاء ناجي..رئيس التحرير
لم يكن يوسف، لاعب نادي الزهور، مجرد طفل آخر يمارس رياضة السباحة؛ كان حلمًا يمشي فوق الماء، طفلًا جاء إلى بطولته يحمل شغفًا، فانتهى به اليوم محمولًا على الأكتاف… بلا نبض.
يوسف لم يمت غرقًا، ولم يمت صدفة.
يوسف مات بالإهمال… الإهمال الذي نراه كل يوم ونصمت عنه.
وإذا كان اسمه يتصدر محركات البحث اليوم، فواجبنا الصحفي والإنساني أن نقول الحقيقة كاملة: يوسف هو الضحية الأحدث لمنظومة لا تراعي حياة اللاعبين، ولا تضع سلامتهم في قائمة الأولويات.
بطولات تُقام بلا معايير… وأطفال يُتركون لمصيرهم
كم من بطولة سباحة شهدناها خلال السنوات الأخيرة؟
أماكن مكشوفة، أطفال يرتجفون من البرد ساعات طويلة، حمامات سباحة بلا أي تجهيزات طبية، مدرجات متهالكة، وفوضى تنظيمية لا تليق حتى بمسابقة مدرسية.
في بطولة السباحة التي فقد فيها يوسف حياته:
• لا إسعاف جاهز
• لا طبيب مجهز بجهاز إنعاش
• لا خطة طوارئ
• لا رقابة
• ولا احترام لحياة لاعب عمره 12 عامًا
ثم نخرج لنُبرّئ الجميع… ونلوم القدر.
لكن القدر لا يرفع أنابيب الأكسجين، ولا يشغّل أجهزة الإنعاش… هذه مسؤولية البشر.
الإهمال ليس في السباحة وحدها… بل في كل الألعاب
من يتابع بطولات القاهرة والجمهورية للألعاب الفردية يعرف الحقيقة المؤلمة:
في الكاراتيه والجودو والكونغ فو:
• آلاف الأطفال يجلسون على الأرض من الثامنة صباحًا حتى السابعة مساءً.
• صالات بلا تهوية.
• زحام خانق.
• إصابات بلا إسعاف.
• طبيب غير مؤهل… إن وُجد أصلًا.
في السباحة:
• أطفال يقفون في الماء والبرد لساعات.
• حمامات سباحة مُستأجرة في مدارس أو أكاديميات خاصة غير مرخصة.
• مدرّبون بلا شهادات إنقاذ.
• وموت يتكرر بصمت.
في بطولات المحافظات:
• القادمون من سوهاج وأسيوط وبني سويف يجلسون على الأرض طوال اليوم.
• لا كراسي، لا تنظيم، لا إنسانية.
كيف نقنع طفلًا أن الرياضة “تربية وأخلاق” بينما أول ما يراه هو الإهانة والفوضى؟
أين تذهب أموال الاتحادات؟
كل اتحاد رياضي في مصر يجمع ملايين الجنيهات سنويًا:
• اشتراك بطولة
• اختبار حزام
• اختبار ستار
• رسوم اشتراك
• رسوم تسجيل
• رسوم كارنيه
ومع ذلك… البطولات تُقام في صالات لا تصلح لاستضافة حصة ألعاب، فما بالك بآلاف اللاعبين!
أين الملايين؟
لماذا لا تُستخدم في:
• تجهيز إسعافات
• شراء أجهزة إنعاش
• تدريب المنقذين
• تحسين الصالات
• أو حتى توفير كراسي محترمة للأطفال؟
هل يُعقل أن يكون “المنتخب المصري” نتاج منظومة يتحمل عبئها الأهالي فقط؟
الأبطال في العالم يصنعونهم… وفي مصر يصنعهم الأهل
الاختلاف بيننا وبين العالم ليس في المواهب، بل في المنظومات.
في اليابان وألمانيا وبريطانيا:
• كل بطولة لديها مدير سلامة مسؤول قانونيًا
• سيارة إسعاف ثابتة
• طبيب مُعتمد
• جهاز صدمات جاهز
• تنظيم دقيق
• بيئة مريحة للاعب
• طفلك يلعب ساعة… ثم يذهب إلى منزله
وفي مصر:
الطفل يلعب بعد 10 ساعات انتظار… على الأرض.
أي نفسية نُربي؟ أي جسم نُهذّب؟ أي مهارات نُنمّي؟
أكاديميات الموت… حين تتحول السباحة إلى خطر قاتل
انتشرت خلال السنوات الأخيرة “أكاديميات سباحة” بلا ترخيص، بلا منقذين، بلا معدات، بلا أي أساس مهني.
هي في الحقيقة:
• حمام سباحة مدرسة
• أو ملعب مستأجر
• أو فندق صغير
• أو “نادي أسرة”
لكنها ترفع لافتة “أكاديمية” وتجمع الأموال من الأهالي… مقابل تدريب قد ينتهي بكارثة.
يوسف ليس الضحية الأولى… ولن يكون الأخيرة إذا استمر الصمت.
القضية أكبر من حادث… إنها قضية “حياة”
هذا المقال ليس عن يوسف وحده، بل عن كل طفل يدخل بطولة بلا أمان.
عن كل أم تقف بالساعات ترتجف وهي ترى طفلها في برد قارس.
عن كل أب يدفع من دمه وماله ليرى ابنه بطلًا… ثم تحمل له سيارة الإسعاف خبرًا آخر.
نحن نحتاج:
• قانونًا يلزم بوجود إسعاف وجهاز صدمات في كل بطولة
• مراجعة شاملة لترخيص الأكاديميات الرياضية
• لجان سلامة قبل أي بطولة
• محاسبة اتحادات تجني الملايين ولا تقدم شيئًا
• بيئة محترمة للأطفال… قبل أن نتحدث عن “بطولات”
أخيرًا… يوسف مات، لكن صوته لم يمت
يوسف لن يعود، لكن غيره يمكن أن يعيش.
والمسؤولية الآن ليست على الاتحادات وحدها، بل على الإعلام والرأي العام والمجتمع.
إذا لم نصرخ الآن… سنكتب اسم طفل جديد غدًا.
ووقتها، لن يكون السؤال:
“كيف مات يوسف؟”
بل:
لماذا صمتنا جميعًا؟


