د. أشرف جوهر، يكشف خريطة «الطب الرياضي الجديد» وسبب 80% من حالات الموت المفاجئ
حوار: حنين عبد الوهاب
لم يكن خبر وفاة السباح يوسف مجرد حادث عابر. كان صدمة هزّت الأوساط الرياضية والأسر المصرية على السواء. فالصبي الذي دخل حمّام السباحة بكامل طاقته لم يكن يعلم أنها لحظاتة الأخيرة، وبين هل لة ملف طبي مقدم للاتحاد ،وبين ان كان الفحص حقيقي وكافي، وأصبح الكل يسأل كيف يمارس أطفالنا الرياضة دون أن يخضعوا لفحص حقيقي يكشف ما تخفيه أجسادهم؟
هذه الحوادث لم تعد فردية، بل أصبحت مؤشرًا خطيرًا يكشف غيابَ منظومة تقييم طبي تسبق ممارسة الرياضة. وهنا يأتي الدور الذي تعمل عليه وزارة الشباب والرياضة اليوم: إنشاء أول قاعدة وطنية لممارسي الرياضة في مصر، وتطوير وحدات الطب الرياضي لتصبح بوابة الدخول الإلزامية لأي طفل أو شاب يخطو نحو الملاعب.
وفي هذا السياق، حاورنا الدكتور أشرف جوهر، أستشاري الباطنة، مدير مشروع تطوير وحدات الطب الرياضي بالوزارة، الذي كشف الصورة الكاملة لهذا التحوّل الطبي الذي طال انتظاره.
ما هو الطب الرياضي؟ ولماذا نسيء فهمه؟
يقول د. جوهر إن أغلب المصريين يختزلون الطب الرياضي في «العلاج الطبيعي» أو «إصابات الملاعب»، بينما حقيقته أوسع بكثير. فالطب الرياضي ليس تدخلاً بعد الإصابة، بل علم يبدأ قبل دخول الطفل للنادي أو ممارسة الرياضة، ويستمر معه طول مسيرته الرياضية.
هو تخصّص يجمع بين الباطنة، القلب، العظام والأعصاب، التغذية، النفسية والأشعة، لكن كل هذا بمنظور رياضي. مهمته الأساسية تجنّب الإصابة، وتصحيح الأداء، وتعديل سلوك اللاعب، والكشف المبكر عن الخطر الصحي قبل أن يهدد حياة الرياضي.
22 وحدة طب رياضي… لكن الواقع يحتاج ثورة
وحدات الطب الرياضي أُنشئت في التسعينات وتنتشر اليوم في معظم المحافظات، إلا أن حالتها—كما يوضح جوهر—لا تسمح بتحقيق الهدف الوطني. لذلك يجري حالياً رفع كفاءتها بالكامل، من البنية التحتية إلى التكنولوجيا، لتصبح مراكز تقييم طبي حقيقية، لا مجرد غرف فحص تقليدية.
ملف طبي لكل لاعب… بداية قاعدة وطنية لممارسي الرياضة
يؤكد جوهر أن المشروع الأكبر هو إنشاء ملف طبي لكل طفل أو شاب يتقدم لممارسة الرياضة، يشمل تاريخه المرضي، ووزنه وطوله، وفحوص القلب، وتحليل الدم، والفحوص الهيكلية، وحتى التاريخ الوراثي للعائلة.
هذه الملفات ستشكل لأول مرة «خريطة صحية ورياضية» لمصر، تسمح لنا بمعرفة قدرات أطفالنا، وتحديد الرياضات الأنسب لهم، وتجنّب تحميل لاعب فوق طاقته.
بل إن هذه البيانات ستمكّن الدولة من التخطيط للرياضات التي يجب أن تزدهر في كل محافظة، وفق بُنيتها البشرية. فمصر تمتلك أكثر من 40 مليون طفل وشاب دون 18 سنة، وهي ثروة لا يجوز تركها للمصادفة.
لماذا يموت اللاعبون بشكل مفاجئ؟
يوضح جوهر أن الإجابة، رغم قسوتها، بسيطة جدًا: غياب الفحص الطبي الحقيقي قبل ممارسة الرياضة.
فأغلب حالات الموت المفاجئ مرتبطة بأمراض قلبية غير مشخّصة، أو عيوب خلقية لم تُكتشف، أو اضطرابات في الدم لا يشعر بها الطفل. كثير من اللاعبين سقطوا داخل الملاعب لأن أجسادهم كانت تخوض مجهوداً لا يناسب بنيتها، ولم يحذرهم أحد.
ولهذا تُظهر الإحصاءات أن القلب وحده مسؤول عن أكثر من 80% من أسباب الموت المفاجئ للرياضيين.
هل كل طفل مناسب لممارسة الرياضة؟
لا، يجيب جوهر بوضوح. فهناك أمراض تمنع ممارسة الرياضة من الأساس، أبرزها أمراض القلب بدرجاتها المختلفة. وهناك أمراض لا تمنع الرياضة، لكنها تحدد شكل الممارسة وحدّة التدريب، كما الحال في مرض السكري، الذي يسمح بممارسة الرياضة كهواية فقط.
حتى الأمراض الهيكلية والعصبية أو ضعف السمع والبصر قد تجعل بعض الرياضات غير مناسبة للطفل، لكن يمكن توجيهه لرياضات أخرى أو لرياضات ذوي الهمم، بدلاً من تركه يصطدم بالفشل أو الخطر.
كيف يساعد الطب الرياضي في اختيار الرياضة المناسبة للطفل؟
يشرح جوهر أن الاعتماد على الشكل أو الطول فقط اختيار بدائي وقديم.
فالقرارات الآن تُبنى على فحوص قوة العضلات، والاستعداد الحركي، واللياقة القلبية، والتحليل النفسي للحافز والانضباط والتفاعل الجماعي.
هذه الاختبارات تساعد الأسرة والمدربين في توجيه الطفل للعبة التي يحصد فيها النجاح بدلاً من إهدار سنوات في لعبة لا تناسبه.
أين دور الأسرة والأندية؟
يقول جوهر إن الخطر الأكبر هو دخول الطفل إلى الأكاديميات الصغيرة أو الصالات الخاصة دون إجراء أي فحص. هذا، برأيه، هو “السبب الحقيقي للصدمة التي نشهدها في الملاعب”.
ويدعو الأسر إلى التوجه لوحدات الطب الرياضي بعدما يتم تطويرها، لأنها ستكون المرجع الرسمي والآمن لتقييم الأطفال.
كما يطالب الأندية بتفعيل القانون الذي يلزمها بإعداد ملف طبي لكل لاعب، مؤكداً أن القانون موجود لكن أغلب المؤسسات لا تطبقه.
هل تمتلك مصر العدد الكافي من أطباء الطب الرياضي؟
ليس بعد، ولذلك سيتم الاستعانة بأطباء من تخصصات مختلفة مع تدريبهم على مبادئ الطب الرياضي، بحيث يقود كل وحدة طبيب متخصص يشرف على الفريق الطبي.
كما يدرس المشروع إنشاء وحدات متنقلة لدعم المحافظات ذات الكثافة الرياضية.
ماذا عن التغذية؟
يؤكد جوهر أن التغذية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الطب الرياضي. فالهدف ليس فقط إنتاج لاعبين محترفين، بل خلق جيل كامل من الأطفال يمارس الرياضة وفق نمط صحي، حتى لو لم يكمل طريق الاحتراف.
خلاصة الحوار:
ما حدث مع السباح يوسف يجب ألا يتكرر
• الرياضة صحة، لكنها قد تصبح خطرًا دون فحص طبي مسبق.
• القلب هو العدو الأول للرياضة عندما لا يُكتشف مبكرًا.
• ملف طبي لكل لاعب خطوة وطنية ستغيّر مستقبل الرياضة في مصر.
• وعي الأسرة هو خط الدفاع الأول… والقانون هو خط الدفاع الثاني.
يختتم د. أشرف جوهر رسالته قائلاً:
“أكبر خطأ أن نترك أطفالنا يمارسون الرياضة دون تقييم طبي. الرياضة حياة… لكنها قد تصبح مأساة إذا بدأناها بطريقة خاطئة.”



