يُشكل الفيروس التنفسي المخلوي (RSV) الهاجس الأكبر للأسر والأنظمة الصحية خلال فصل الشتاء، إذ يتحول هذا الفيروس، الذي لا يتجاوز كونه نزلات برد للكبار، إلى تهديد وجودي للأطفال حديثي الولادة، خاصة في أشهرهم الستة الأولى. مع الارتفاع المقلق في إشغال الحضانات بسبب مضاعفات RSV، يتجه العالم نحو حل ثوري: لقاح يُعطى للأم الحامل لينقل المناعة للجنين. التقينا بالدكتور أحمد البليدي، أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة ورئيس الجمعية المصرية للارتقاء بالممارسات الطبية، لنسلط الضوء على خطورة الفيروس والتحول النوعي الذي يمثله هذا “اللقاح السحري” في إنقاذ حياة آلاف الرضع.

طبيعة الفيروس وخطورته القاتلة على الرضع
بوابة مصر الصحية: دكتور البليدي، يُوصف الفيروس المخلوي التنفسي (RSV) بأنه أشرس المهاجمين على الرضع. ما هي طبيعة هذا الفيروس، ولماذا يكتسب هذه الشراسة تحديداً في الشهور الأولى من عمر الطفل؟
الفيروس المخلوي التنفسي ليس جديداً، لكنه شديد العدوانية على الرضع. هو فيروس ينتقل عبر الهواء ويُصيب الجهاز التنفسي، ويُصاب به جميع الأطفال تقريباً قبل بلوغ عامهم الثاني، ومعظمهم يتعافون بأعراض خفيفة. لكن المشكلة تكمن في أن الأطفال في الشهور الأولى، خاصة أول ستة أشهر، يمتلكون جهازاً تنفسياً غير مكتمل، مما يجعل الفيروس يُسبب لهم التهاباً في القُصيبات الهوائية (الممرات التنفسية الدقيقة). هذا الالتهاب يشبه في أعراضه نوبات الربو الحادة المصحوبة بصعوبة شديدة في التنفس، ويتطلب تدخلاً طبياً سريعاً.
ما هي الأرقام التي تبرهن على هذه الخطورة؟ وهل هناك ارتباط بينه وبين أمراض أخرى لاحقاً؟
د. البليدي: الأرقام العالمية صادمة وتؤكد حجم الكارثة الصامتة. عالمياً، يُقدر أن نحو 33 مليون طفل سنوياً يُصابون به، ويدخل منهم قرابة 3.5 مليون طفل إلى المستشفيات لتلقي الرعاية. الأدهى من ذلك، أن الفيروس يُسهم في ما يقرب من 60% إلى 80% من حالات التهاب القُصيبات الهوائية لدى الرضع. تشير الدراسات إلى أن 70% من المواليد يحتاجون لدخول المستشفى خلال الأشهر الأولى بسبب هذا الفيروس، خاصة إذا كانوا يعانون من ضعف الوزن. كما أن هناك أدلة تشير إلى أن الرضع الذين يصابون بالتهاب القُصيبات مبكراً يكونون أكثر عرضة للإصابة بالربو وزيادة خطر تكرار الصفير في وقت لاحق من الطفولة.
الفجوة الصحية والتحول الثوري في الوقاية
أشرتَ إلى أن نسبة كبيرة من وفيات الأطفال (التي تتراوح بين 26 ألفاً و101 ألف حالة سنوياً تحت 5 سنوات) تتركز في الدول النامية. ما هي أبعاد هذه الفجوة؟
د. البليدي: النسبة الأكبر من حالات التواجد بالمستشفى والوفيات تحدث فعلاً في البلدان النامية ذات الدخل المنخفض والمتوسط. هذا يرجع إلى قصور الإمكانات الطبية وسرعة الوصول للخدمة الصحية المتخصصة. وفي سياق محلي، يساهم الفيروس في إشغال نسبة كبيرة من أسرة الحضّانات وأماكن الرعاية المركزة خلال فصل الشتاء في مصر والدول المجاورة. الحاجة للرعاية المركزة لا تقتصر فقط على الأطفال المبتسرين، بل تشمل مضاعفات هذا الفيروس التي تهاجم الجهاز التنفسي للرضع مكتملي النمو، وهذا يبرز الفجوة القائمة في الرعاية الصحية وإدارة الأزمات الموسمية.
هنا يأتي دور اللقاح الجديد للأم الحامل. كيف يمثل هذا “التحول الثوري” خط الدفاع الأهم؟
د. البليدي: نعم، نحن نشهد تحولاً هاماً في مفهوم التطعيم. التطعيم لم يعد يهدف فقط لحماية الشخص الذي يتلقاه، بل أصبح وسيلة لحماية الجنين قبل ولادته. “التطعيمات أثناء الحمل” ليست فكرة جديدة (لدينا لقاحات الإنفلونزا والتيتانوس)، لكن الجديد هو تطعيم الأم الحامل ضد الفيروس التنفسي المخلوي تحديداً في الشهر السابع أو الثامن من الحمل. هنا تكمن القيمة العلمية: تنتقل الأجسام المضادة عبر المشيمة إلى الجنين، لتوفّر له حماية فعالة ومكثفة بعد الولادة مباشرة، مما يقلل بشكل كبير من حدوث المضاعفات الشديدة والحاجة لدخول المستشفى في أخطر ستة شهور من عمره.

سد الفجوة والتوصيات الختامية
إلى جانب اللقاحات، كيف يمكن للجمعية المصرية للارتقاء بالممارسات الطبية أن تساهم في سد “الفجوة بين التعليم الطبي والممارسة الفعلية” كما أشرت؟
التحدي لا يقتصر على توفير العلاج، بل في جودة المنظومة الصحية ككل. هدفنا في الجمعية هو تدريب الأطباء على أحدث ممارسات الطب الوقائي والتطعيمات الضرورية القائمة على مصادر موثوقة عالميًا. هذا العمل يهدف لتحويل المعرفة العلمية إلى ممارسة آمنة ومنقذة للحياة على أرض الواقع. الاستثمار في تدريب الكوادر هو استثمار في جودة الرعاية المقدمة لأطفالنا.
ختاماً، ما هي رسالتكم للأسر والأطباء بخصوص هذا اللقاح وأهميته؟
د. البليدي: رسالتنا مزدوجة وواضحة: الوقاية المبكرة هي الطريق الأكثر فاعلية لإنقاذ الأرواح. يجب على الأسر والأطباء رفع الوعي بأهمية هذه التطعيمات أثناء الحمل، وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تمنع بعض السيدات من تلقي اللقاحات. هذه المخاطر الصحية والضغوط التي تتكبدها الأسر والمجتمع يمكن تجنبها إذا ما حصلت الأم الحامل على اللقاح. حماية الجنين تبدأ من رحم أمه، والتحول نحو تطعيم الأم الحامل ضد (RSV) يمثل قفزة نوعية لتقليل معدلات وفيات حديثي الولادة والضغط الهائل على الحضانات خلال فصل الشتاء.



