بدأت القصة بجولة تفقدية، لكنها سرعان ما فتحت بابًا واسعًا لإعادة التفكير في مستقبل واحدة من أقدم مؤسسات الصحة النفسية في مصر.
تفقد الدكتور خالد عبدالغفار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، مستشفى الخانكة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بمحافظة القليوبية، وذلك في إطار جولاته الميدانية لمتابعة المشروعات الجارية والاطمئنان على جودة الخدمات الطبية المقدمة للمرضى.
وخلال الزيارة، اطّلع الوزير على مستجدات خطة تطوير المستشفى، التي تستهدف رفع كفاءة 30 عنبرًا بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 1500 مريض، موجّهًا بدراسة إدراج المشروع ضمن المشروعات المشتركة مع صندوق «تحيا مصر»، دعمًا لجهود الارتقاء بخدمات الصحة النفسية.
الأهم في الجولة لم يكن فقط ما يجري الآن، بل ما طُرح للمستقبل: توجيه بدراسة تحويل مستشفى الخانكة، المقام على مساحة 171 فدانًا ويضم 64 مبنى مشيدًا على 69 فدانًا، إلى أول مدينة طبية متكاملة متخصصة في الصحة النفسية وعلاج الإدمان ورعاية المسنين.

تفاصيل الجولة،
خلال جولته، تفقد الوزير مبنى العيادات الخارجية، الذي يستقبل نحو 200 متردد يوميًا، ويضم تخصصات الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وصحة المرأة، وعلاج الإدمان، إلى جانب قسم الأشعة، وذلك للتأكد من انتظام سير العمل وجودة الخدمة المقدمة.
كما تابع الأعمال الجارية بمبنى جديد تحت الإنشاء يضم عيادات خارجية، وسكنًا للأطباء، وجزءًا إداريًا، ووجّه بسرعة الانتهاء من التنفيذ خلال الربع الأول من عام 2026، مع التشديد على اتخاذ الإجراءات القانونية حيال أي تقصير قد يؤدي إلى تأخير الجدول الزمني.
وشملت الجولة المرور على قسمي «نفسي 3» و«نفسي 11» للرجال، حيث وجّه الوزير بمتابعة أعمال رفع الكفاءة، وصيانة الأسقف والبنية التحتية، وتوفير الفرش غير الطبي، والاهتمام بالمساحات الخضراء، بما يضمن بيئة علاجية صحية وآمنة للمرضى، إلى جانب التأكد من جاهزية الأقسام خلال فصل الشتاء وزيادة أعداد البطاطين والملابس الثقيلة، في أقسام تتراوح طاقتها الاستيعابية بين 50 و60 مريضًا.
الخانكة… أقدم مستشفى للصحة النفسية،
وراء هذه الجولة يقف تاريخ طويل.
مستشفى الخانكة ليس منشأة طبية عادية، بل أحد أقدم مستشفيات الصحة النفسية في مصر، واسم ارتبط لعقود طويلة بعلاج الاضطرابات النفسية الشديدة والحالات الممتدة الإقامة.
على مدار أكثر من قرن، شهد المستشفى تحولات متعددة، من مستشفى معزول خارج العمران، إلى مؤسسة كبرى داخل نسيج سكاني متغير، تحمل أعباءً علاجية واجتماعية وإنسانية معقدة.
ولهذا، فإن أي حديث عن تطويره لا ينفصل عن سؤال أكبر: كيف يجب أن تُدار مؤسسات الصحة النفسية في القرن الحادي والعشرين؟

ماذا تعني «مدينة طبية للصحة النفسية»؟
التحول من مستشفى إلى “مدينة طبية” لا يعني فقط توسعة المباني أو زيادة عدد الأسرة، بل يعكس تصورًا مختلفًا للرعاية:
مدينة طبية للصحة النفسية تعني دمج العلاج الدوائي مع التأهيل النفسي والاجتماعي، وتقديم خدمات علاج الإدمان ضمن مسار متكامل، وليس في وحدات منعزلة، مع إدخال رعاية المسنين كجزء أصيل من المنظومة، خاصة مع تزايد الاضطرابات النفسية المصاحبة للتقدم في العمر.
كما تعني وجود عيادات خارجية قوية تقلل الاعتماد على الحجز الطويل، ومساحات إنسانية تحترم كرامة المريض، وبنية تحتية تواكب المعايير الحديثة في السلامة وجودة الحياة داخل المنشأة.
بين التطوير والاختبار الحقيقي
مشروع بهذا الحجم يضع منظومة الصحة النفسية أمام اختبار حقيقي.
فالنجاح لن يُقاس فقط بسرعة الانتهاء من المباني أو حجم الاستثمارات، بل بقدرة المشروع على إحداث فرق ملموس في حياة المرضى:
هل تتحسن جودة الإقامة؟
هل تتكامل الخدمات؟
هل يحصل المريض على علاج يحفظ كرامته ويؤهله للعودة إلى المجتمع؟
هذه الأسئلة ستظل مطروحة مع كل خطوة تنفيذ.
خلاصة: بوابة مصر الصحية
جولة وزير الصحة في مستشفى الخانكة لم تكن مجرد متابعة إنشائية، بل لحظة إعادة فتح ملف كبير ظل طويلًا على هامش الاهتمام العام.
الحديث عن تحويل الخانكة إلى أول مدينة طبية متخصصة في الصحة النفسية وعلاج الإدمان ورعاية المسنين يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الصحة النفسية لم تعد ملفًا ثانويًا، بل ركيزة أساسية في منظومة الرعاية الصحية الحديثة.
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا التصور الطموح إلى واقع يومي يشعر به المريض قبل أي جهة أخرى، في مستشفى يحمل تاريخًا ثقيلًا… وينتظر مستقبلًا مختلفًا.



