في مثل هذا اليوم.. لحظةٌ غيرت تاريخ مرض السكري

في مثل هذا اليوم.. لحظةٌ غيرت تاريخ مرض السكري

أول حقنة أنسولين لعلاج مرض السكري عام 1922 وأنقذت ملايين الأرواح

في 11 يناير عام 1922، شهد العالم حدثًا طبيًا فارقًا شكّل نقطة تحوّل حاسمة في علاج أحد أكثر الأمراض انتشارًا وتأثيرًا في صحة البشرية، وهو مرض السكري من النوع الأول. في هذا اليوم التاريخي، أصبح ليونارد طومسون المراهق الكندي البالغ من العمر 14 عامًا أول إنسان يتلقى حقنة الأنسولين، مما أنهى عمليًا حكم الإعدام الذي كان يلازم تشخيص هذا المرض لعقود طويلة.

السكري عبر التاريخ… من لغز قاتل إلى علاج إنساني

يُعرف مرض السكري كحالة طبية مستقلة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وقد كانت نصائح العلاج تعتمد على نظام غذائي صارم منخفض الكربوهيدرات والسكريات وغني بالدهون والبروتين، وهو ما كان يوفّر لمريض السكري فرصة للبقاء على قيد الحياة لما يقرب من عام بعد التشخيص فقط، لكن المرض ظل لغزًا كبيرًا على مدار قرون حتى مطلع القرن العشرين.

بحلول أوائل عشرينيات القرن الماضي، اشتبه الباحثون في أن السكري ناتج عن خلل في عمل غدة البنكرياس، وهي غدة صغيرة تقع بالقرب من الكبد وتلعب دورًا مهمًا في تنظيم السكر في الدم. كانت هذه الفكرة نقطة الانطلاق لاكتشاف أحد أهم العلاجات الطبية في القرن العشرين.

البحث الرائد خلف الأنسولين

في صيف عام 1921 بجامعة تورنتو الكندية، شرع طبيبان شابان هما فريدريك بانتينج وتشارلز بيست في مشروع بحثي طموح لعزل مادة تساهم في تنظيم سكر الدم، وقد نجحا في عزل الأنسولين من بنكرياس الكلاب التي أجريت عليها تجاربهم، إذ أُحدثت أعراض مرض السكري في هذه الحيوانات، ثم استخدموا الأنسولين لإعادة توازن السكر في الدم، ولاحظوا استعادة الحالة الصحية الطبيعية للحيوانات.

انطلق بعدها فريق البحث للعمل على تطوير العلاج البشري، بدعم من جيه جيه آر ماكلويد من جامعة تورنتو، ومع مساهمة عالم الكيمياء الحيوية جيه بي كوليب، تمكن الفريق من استخلاص تركيبة أنسولين نقية نسبيًا من بنكرياس الأبقار المتاحة من المسالخ، وهي خطوة هامة سمحت بتحضير دواء يمكن استخدامه بأمان نسبي على المرضى.

علاج ليونارد طومسون

في 11 يناير 1922، تلقى ليونارد طومسون أول حقنة أنسولين في تاريخ الطب، وكان حينها في حالة صحية حرجة للغاية، إذ انخفض وزنه إلى نحو 65 رطلاً وكان يدخل ويخرج من غيبوبة سكرية. بعد الحقنة الأولى ظهرت تحسنات ملحوظة في حالته، لكنه عانى رد فعل تحسسي تجاه التركيبة الأولية للدواء، ما دفع الفريق إلى تحسين نقاء الأنسولين، وعندما جرت إعطاء الحقنة الثانية في 23 يناير استقرت مستويات السكر في الدم، وتحسنت الحالة الصحية دون أي آثار جانبية خطيرة، ليصبح طومسون رمزًا عالميًا لأول علاج فعال لمرض السكري.

الأنسولين… ثورة في الطب وحياة جديدة للملايين

كان لاكتشاف الأنسولين أثرٌ عميق على حياة مرضى السكري، إذ تحول من مرض يُعَد حكمًا بالإعدام سريعًا إلى حالة يمكن للإنسان أن يعيش معها سنوات طويلة بجودة حياة معقولة، وذلك بفضل المتابعة الطبية الدقيقة واستخدام الأنسولين بانتظام إلى جانب تغييرات في نمط الحياة والتغذية. وقد أدى هذا الإنجاز إلى إنقاذ ملايين الأرواح في جميع أنحاء العالم، وأصبح الأنسولين علاجًا أساسيًا في الممارسة الطبية.

ما هو الأنسولين وكيف يعمل؟

الأنسولين هو هرمون تنتجه خلايا بيتا في غدة البنكرياس، ويلعب دورًا أساسيًا في تنظيم مستويات السكر في الدم، إذ يساعد الجسم على استخدام الجلوكوز كمصدر للطاقة أو تخزينه لاستخدام لاحق. في مرض السكري من النوع الأول، يهاجم الجهاز المناعي خلايا البنكرياس التي تنتج الأنسولين، مما يؤدي إلى نقص حاد في هذا الهرمون، وهنا يصبح الأنسولين الخارجي علاجًا ضروريًا للحياة.

من خلال الحقن تحت الجلد، يتم توصيل الأنسولين مباشرة إلى مجرى الدم، مما يساعد على خفض مستويات الجلوكوز وتنظيمها، وهو ما يحد من مخاطر ارتفاع السكر المزمن الذي يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل مشاكل الكلى والأعصاب وأمراض القلب والأوعية الدموية.

تطور الأنسولين عبر الزمن

منذ أول حقنة ناجحة عام 1922، تطورت علاجات الأنسولين بشكل كبير، إذ ظهرت أشكال مختلفة من الأنسولين تختلف في سرعة المفعول وطول مدة العمل، بما في ذلك:
• الأنسولين سريع المفعول الذي يبدأ تأثيره خلال دقائق
• الأنسولين متوسط المفعول
• الأنسولين طويل المفعول الذي يوفر تغطية حتى 24 ساعة
• تركيبات مختلطة توفر توازنًا بين السيطرة على السكر في الصباح والمساء

وهذا التطور سمح للأطباء بوضع بروتوكولات علاجية تناسب احتياجات كل مريض، مع تحسين نوعية الحياة وتقليل مضاعفات المرض على المدى الطويل.

الأنسولين في مصر والعالم

مثلما أثّر الاكتشاف في العالم، فقد أحدث الأنسولين أيضًا ثورة في علاج مرض السكري في مصر، حيث أتاح للمرضى فرصًا أكبر للعيش بعمر أطول وجودة حياة أفضل. وتم إدخال الأنسولين في برامج التدريب الطبي والرعاية الصحية العامة، وأصبح جزءًا أساسيًا من منظومات الرعاية الصحية في العديد من البلدان.

وتعمل منظومة الصحة في مصر على توفير الأنسولين بمختلف أنواعه ضمن برامج التأمين الصحي ومبادرات الرعاية الصحية الأساسية، لضمان أنه متاح لجميع المواطنين الذين يحتاجونه، وهو ما يُعد نموذجًا في دعم مرضى السكري وتمكينهم من إدارة حالتهم الصحية بفعالية.

الخاتمة

في 11 يناير 1922، لم يُعطَ ليونارد طومسون مجرد حقنة دواء، بل أُعطي الأمل لمرضى السكري في كل مكان، وبدأ فصل جديد من تاريخ الطب حيث أصبح المرض الذي كان يحصد الأرواح سريعًا قابلاً للإدارة والتحكم. إن فهم قصة الأنسولين لا يعكس مجرد حدث تاريخي، بل درس في قدرة العلم على تحويل محن البشر إلى آفاق من الصحة والحياة المستقرة. ومع استمرار الأبحاث والتطوير في هذا المجال، يستمر إرث الأنسولين – إرث إنساني عظيم – في إنقاذ المزيد من الأرواح وتحسين حياة الملايين حول العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top