التأمين ضد الأخطاء الطبية يدخل حيز التنفيذ.. منظومة جديدة لحماية المرضى والأطباء في مصر

التأمين ضد الأخطاء الطبية يدخل حيز التنفيذ.. منظومة جديدة لحماية المرضى والأطباء في مصر

في خطوة وُصفت بأنها الأهم منذ عقود لتنظيم العلاقة بين المريض ومقدمي الخدمة الصحية، أعلنت وزارة الصحة والسكان صدور القرار رقم 303 لسنة 2025 من الهيئة العامة للرقابة المالية، والذي يضع الإطار التنفيذي الشامل لمنظومة التأمين ضد الأخطاء الطبية، تنفيذاً لأحكام قانون تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض وقانون التأمين الموحد.

القرار الجديد يُعد حجر الأساس لتشغيل الصندوق الحكومي للتأمين ضد الأخطار الناجمة عن الأخطاء الطبية، وهو صندوق غير هادف للربح، يهدف إلى تعويض المتضررين من الأخطاء الطبية المؤكدة وفق آليات قانونية واضحة، وفي الوقت نفسه توفير مظلة حماية قانونية وتأمينية للأطباء ومقدمي الخدمات الصحية والمنشآت الطبية.

أقرأ ايضاً: “جولات على الأرض”.. كيف أعادت زيارات وزير الصحة ضبط إيقاع المستشفيات؟

لماذا يُعد القرار تحولًا جذريًا؟

لسنوات طويلة ظل ملف الأخطاء الطبية أحد أكثر الملفات حساسية في المنظومة الصحية، حيث كان الأطباء يواجهون دعاوى قضائية مباشرة، في ظل غياب مظلة تأمينية واضحة تحميهم من المخاطر المهنية، بينما يعاني المرضى وأسرهم من صعوبة الحصول على تعويض عادل وسريع عند وقوع خطأ طبي مثبت.

المنظومة الجديدة تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين:
• حماية حقوق المرضى
• ضمان بيئة عمل آمنة للأطباء
• منع التضييق غير المبرر على الممارسين الصحيين
• تقليل اللجوء للعقوبات الجنائية واستبدالها بالمساءلة المهنية والتعويض العادل

وهو ما يتماشى مع النظم المعمول بها في الدول المتقدمة مثل بريطانيا وكندا وأستراليا، حيث يتم التعامل مع الأخطاء الطبية عبر أنظمة تأمين متخصصة بدلًا من المسار الجنائي المباشر.

تفاصيل الأقساط على الكوادر الطبية

حدد القرار أقساطًا سنوية ميسرة تراعي طبيعة كل مهنة، على النحو التالي:
• الأطباء البشريون
240 جنيهًا للممارس العام
920 جنيهًا للتخصصات المختلفة
• أطباء الأسنان وأخصائيو العلاج الطبيعي
160 جنيهًا للممارس العام
400 جنيه للتخصصات
• الصيادلة
240 جنيهًا سنويًا
• باقي الفئات المرخص لها بمزاولة المهن الطبية
100 جنيه فقط

كما تضمن القرار ميزة مهمة لدعم الشباب، حيث يحصل الخريجون الجدد على خصم 25% من قيمة القسط خلال فترة الترخيص الأولى، في محاولة لتخفيف الأعباء المالية عنهم في بداية مسيرتهم المهنية.

اشتراكات المنشآت الطبية

راعى القرار حجم المنشأة ونوعية الخدمات المقدمة عند تحديد الأقساط، فجاءت على النحو التالي:
• المستشفيات حتى 50 سريرًا
24 ألف جنيه سنويًا
مع إضافة 500 جنيه عن كل سرير إضافي
• المراكز الطبية
9600 جنيه
• مراكز الأشعة
3600 جنيه
• معامل التحاليل
2400 جنيه
• الصيدليات
1200 جنيه

وتهدف هذه الهيكلة إلى تحميل كل منشأة تكلفة تأمين تتناسب مع مستوى المخاطر المحتملة وطبيعة النشاط.

كيف تعمل المنظومة؟

بحسب قانون المسؤولية الطبية، يتم التحقيق في الشكاوى المقدمة ضد الأطباء من خلال لجان فنية متخصصة تضم خبراء في نفس التخصص، قبل إحالتها لأي مسار قانوني.
وفي حال ثبوت وجود خطأ طبي مهني، يتولى الصندوق صرف التعويض للمريض أو أسرته، بدلًا من تحميل الطبيب المسؤولية المالية المباشرة، وهو ما يحمي الطرفين ويمنع الصدام القضائي.

دراسة اكتوارية لضمان الاستدامة

نص القرار على تكليف خبير اكتواري مستقل بإجراء دراسة شاملة بعد مرور ثلاث سنوات من التشغيل الفعلي للصندوق، لإعادة تقييم قيمة الأقساط وضبطها بما يحقق:
• العدالة بين المشتركين
• استدامة الصندوق ماليًا
• القدرة على الوفاء بالتعويضات المستقبلية

وهي خطوة احترافية متبعة عالميًا في صناديق التأمين الكبرى.

موعد التطبيق الرسمي

يبدأ العمل بالقرار رسميًا بعد مرور ستة أشهر من تاريخ صدور النظام الأساسي للصندوق، والذي صدر في 29 أكتوبر 2025، لإتاحة فترة انتقالية لتوفيق الأوضاع واستكمال الإجراءات الإدارية والتقنية.

أرقام مهمة من الواقع الصحي

تشير دراسات دولية إلى أن:
• نحو 1 من كل 10 مرضى حول العالم يتعرض لنوع من الخطأ الطبي أثناء تلقي الخدمة الصحية
• أكثر من 50% من هذه الأخطاء يمكن الوقاية منها
• في الدول التي تطبق أنظمة تأمين طبي احترافية، انخفضت الدعاوى القضائية بنسبة تصل إلى 40%

وتسعى مصر من خلال هذه المنظومة إلى الاقتراب من هذه النماذج العالمية في إدارة المخاطر الطبية.

رسالة الطمأنة

بهذا القرار، تكتمل حلقة مهمة في إصلاح المنظومة الصحية، حيث لم يعد الطبيب وحده في مواجهة المخاطر المهنية، ولم يعد المريض مضطرًا للدخول في مسارات قضائية طويلة للحصول على حقه.

المنظومة الجديدة ترسل رسالة واضحة:
• لا تهاون مع الخطأ الطبي
• لا ظلم للطبيب الملتزم
• حق المريض محفوظ بالقانون

وهو ما يعزز الثقة المتبادلة بين المريض والطبيب، ويدعم استقرار المنظومة الصحية ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top