من الفكرة إلى التنفيذ ، كل ما يحتاج المواطن معرفته عن أكبر إصلاح صحي في تاريخ مصر
في السنوات الأخيرة، كشفت بيانات صحية واجتماعية عن حجم العبء المالي الهائل الذي يتحمّله المواطن المصري عند مرضه، إذ أفادت تقارير بحثية بأن نحو 17% من الأسر المصرية تدخل دائرة الفقر سنويًا بسبب مصاريف العلاج غير المخطَّط لها، ويتعرّض الملايين لخسائر مالية جسيمة نتيجة ارتفاع تكلفة الاستشارات والعمليات والأدوية. وفي ظل الظروف الاقتصادية، أصبح العبء الصحي ثقيلًا على كثير من الأسر التي تجد نفسها أمام منظومة غير متجانسة في تقديم الخدمة، ما يدفع المريض إلى “اللف والدوران” بين المستشفيات باحثًا عن علاج أو إحالة، في مواجهة رفض بعض المنشآت قبول الحالات بحجة عدم وجود مكان أو نقص موارد، ما يفاقم الأزمة ويزرع القلق لدى الأسرة.
اقرأ ايضًا: رئيس الوزراء يتابع المرحلة الثانية للتأمين الصحي الشامل: توسع جغرافي واسع وخطة مالية حتى 2030
وسط هذا التشتّت وسوء التنسيق في النظام القديم، ظهر مشروع التأمين الصحي الشامل كحلّ شامل يعيد ترتيب المنظومة من جديد، ويضع لكل مواطن “خريطة طريق” واضحة للرعاية الصحية، بدءًا من وحدة طب الأسرة الأقرب إليه، وحتى المستشفى المتخصص، إلى جانب آليات واضحة للشكاوى والمتابعة، مع رقابة صارمة لضمان جودة الخدمة.
في هذا التحقيق، نسلّط الضوء على المشروع الأكبر في تاريخ الإصلاح الصحي في مصر: بدايته، وتكلفته، وتحدياته، وإنجازاته، وآليات العمل، والهيئات القائمة عليه، وتأثير مبادرة “حياة كريمة” في تدعيمه، وأين وصلنا الآن… وإلى أين نتجه.

بداية المشروع وكيف انطلق
جاء مشروع التأمين الصحي الشامل كاستجابة وطنية طموحة للتحديات البنيوية التي طالما عانى منها النظام الصحي، فبعد سنوات من التباين في الخدمة بين المناطق المختلفة، وغياب العدالة في الوصول للعلاج، صدر القانون رقم 2 لسنة 2018 الذي أرسى الأساس القانوني للمنظومة الجديدة، بهدف تحقيق التغطية الصحية الشاملة لكل المواطنين وفق معايير الجودة العالمية.
وأكد رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، في أكثر من مناسبة أن المشروع يعكس “رؤية الدولة المصرية في بناء نظام صحي قوي يضمن جودة وكفاءة الخدمة للمواطنين”، بينما شدد الدكتور أحمد السبكي، رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية، على أن الهيئة تمضي بخطى ثابتة لتعزيز الخدمات الصحية للمستفيدين، والالتزام الكامل بمعايير الجودة والاعتماد.
بدأ التنفيذ الفعلي في يوليو 2019 بمحافظة بورسعيد كمرحلة تجريبية، ثم امتد تدريجيًا إلى محافظات الأقصر، الإسماعيلية، جنوب سيناء، أسوان، والسويس، لتدخل هذه المحافظات الخدمة رسميًا حتى اليوم. والمرحلة الثانية تستعد للانطلاق في محافظات المنيا، مطروح، دمياط، كفر الشيخ، شمال سيناء، مع دراسة ضم محافظة الإسكندرية.
أرقام تكشف حجم المشروع
تشير الأرقام الرسمية إلى تقدم ملموس في التنفيذ، إذ بلغت نسبة التغطية الصحية نحو 78% من السكان حتى عام 2025، بينما بلغ عدد المستفيدين المسجلين 5.2 مليون مواطن في المحافظات الست الأولى، بنسبة تسجيل 81.7% من إجمالي السكان.
وفي محافظة الأقصر كنموذج ناجح للتطبيق، تجاوزت نسبة التسجيل 90% من السكان، مع فتح أكثر من 843 ألف ملف أسري، ما يعكس قدرة النظام على تحقيق الشمولية.
التكلفة.. استثمار في صحة المصريين
كشف المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، الدكتور حسام عبدالغفار، أن تكلفة المرحلة الأولى بلغت نحو 54 مليار جنيه، بينما تُقدّر تكلفة المرحلة الثانية بنحو 117 مليار جنيه، في استثمارات ضخمة تشمل:
• تطوير المستشفيات الحكومية.
• إنشاء وحدات طب الأسرة.
• شراء أجهزة طبية حديثة.
• تنفيذ منظومة التحول الرقمي.
• تدريب الكوادر الطبية والإدارية.
ويمول النظام وفق مبدأ التضامن الاجتماعي، حيث تتحمل الدولة اشتراكات غير القادرين، بينما يسدد المواطنون اشتراكات رمزية تتناسب مع الدخل، تشمل 5% من الأجر التأميني، 3% عن الزوجة غير العاملة، و1% عن كل طفل.
الهيئات الثلاث.. فصل الأدوار لضمان الجودة
يعتمد نجاح المنظومة على فصل واضح بين التمويل وتقديم الخدمة والرقابة من خلال ثلاث هيئات مستقلة:
1. الهيئة العامة للتأمين الصحي الشامل
برئاسة الدكتور إيهاب أبو عيش، وتعمل على تحقيق استدامة التغطية الصحية التأمينية، وتحصيل الاشتراكات، والتعاقد مع مقدمي الخدمة، والتسعير العادل.
2. الهيئة العامة للرعاية الصحية
برئاسة الدكتور أحمد السبكي، وتختص بتقديم الخدمة الطبية وتشغيل المستشفيات والوحدات الصحية.
3. الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية
برئاسة الدكتور أحمد طه، وهي الجهة الرقابية المسؤولة عن وضع معايير الجودة واعتماد المنشآت الصحية ومتابعتها دوريًا.
هذا الفصل بين الأدوار يضمن أداء محترفًا ومنع تضارب المصالح، مع ضمان جودة الخدمة المقدمة للمواطن.

كيف تعمل المنظومة؟
تعتمد المنظومة على نظام إحالة منظم يبدأ من وحدة طب الأسرة التي تقدم الكشف الأولي، متابعة الأمراض المزمنة، صرف الأدوية، التطعيمات، والتوعية الصحية. وفي حال الحاجة لتخصص، يتم تحويل المريض بشكل منظم إلى المستشفى أو الطبيب المختص داخل شبكة التأمين، بما يقلل التكدس ويحسّن جودة التشخيص. وفي حالات الطوارئ، يمكن للمريض التوجه إلى المستشفى مباشرة دون انتظار الإحالة.
ويتم ربط كل عيادة طب أسرة بنحو 5 آلاف مواطن، بينما تخدم الوحدة الصحية حوالي 20 ألف مواطن، ويخدم مركز طب الأسرة نحو 40 ألف مواطن.
التحول الرقمي.. ملف صحي لكل مواطن
من أبرز إنجازات المشروع إدماجه ضمن بوابة مصر الرقمية، حيث يمكن للمواطن التسجيل إلكترونيًا وفتح ملف طبي إلكتروني يتضمن:
• التاريخ المرضي.
• نتائج التحاليل.
• الأشعة.
• الأدوية.
• خطة العلاج.
• مواقع الوحدات الصحية القريبة للمساعدة في فتح الملف أو الإجراءات العلاجية.
كما تم تدشين أنظمة رقمية متقدمة مثل:
نظام إدارة المستفيدين (BMS)،
بوابة المستفيد التفاعلية،
نظام ERP لإدارة الموارد المالية والبشرية.
حياة كريمة”.. شريك أساسي في النجاح
ساهمت مبادرة حياة كريمة بشكل محوري في دعم المشروع، إذ شملت المرحلة الثانية 516 منشأة صحية ضمن المبادرة، ما عزز البنية التحتية الصحية في القرى الأكثر احتياجًا.
وطالب رئيس الوزراء وزير المالية بتوفير موارد إضافية لكل من منظومة التأمين الصحي الشامل ومبادرة “حياة كريمة”، واستجابت وزارة المالية بزيادة المخصصات في الموازنة الجديدة لضمان استمرارية العمل وفق الخطط الموضوعة.
خريطة المستشفيات.. أرقام ضخمة
تشمل المرحلة الثانية:
• 69 مستشفى بإجمالي 11,427 سريرًا.
• 669 وحدة ومركز رعاية أولية.
• 17 مستشفى جديدة بالكامل.
• 14 مستشفى تطوير شامل.
• 11 مستشفى ضمن مبادرة “حياة كريمة”.
وتنتشر هذه المنشآت في محافظات المنيا، شمال سيناء، مطروح، كفر الشيخ، دمياط.

التحديات.. وكيف تتجاوزها الدولة
رغم النجاحات، تواجه المنظومة تحديات عدة، أبرزها:
• ضخامة التكلفة.
• الحاجة لتدريب المزيد من الكوادر.
• سرعة التوسع الجغرافي.
• إكمال التحول الرقمي.
• استدامة التمويل.
• تقليل زمن الانتظار وتحسين تجربة المواطن.
واجهت الدولة هذه التحديات من خلال:
دراسات اكتوارية دقيقة، زيادة المخصصات المالية، شراكات دولية، تعاون مع منظمة الصحة العالمية، قياس رضا المواطنين، التعاقد مع شركات تطبيقات إلكترونية، وزيادة أعداد العيادات والتعاقد مع استشاريين.
أين نحن؟ وما القادم؟
وجّه رئيس الوزراء بإعداد دراسة شاملة حتى عام 2030 وتحديث الدراسة الاكتوارية لضمان استدامة التمويل، مع استمرار التوسع المرحلي حتى تشمل المنظومة جميع محافظات الجمهورية.
تستهدف المرحلة الثانية نحو 13 مليون منتفع، ما يمثل انتقالًا من مرحلة “التجربة” إلى مرحلة “التعميم”.
الخلاصة بوابة مصر الصحية
لم يعد التأمين الصحي الشامل مشروعًا خدميًا عابرًا، بل خيارًا استراتيجيًا للدولة يرتبط بالأمن الصحي، العدالة الاجتماعية، والاستدامة الاقتصادية. إنه مشروع يعيد بناء المنظومة الصحية من جذورها، ويضع المواطن في قلب الاهتمام، ويمنحه حق العلاج الكريم دون أعباء مالية مرهقة، ليكون التأمين الصحي الشامل مشروع دولة لبناء إنسان صحي قادر على المستقبل.



