لم تعد صناعة المكملات الغذائية في مصر مجرد قطاع هامشي يخدم مرتادي الصالات الرياضية أو الباحثين عن “رفاهية” صحية؛ بل تحولت، وبوتيرة متسارعة، إلى أحد أهم الروافد الاستراتيجية للاقتصاد القومي، وحائط صد منيع أثبت كفاءته في أحلك الظروف التي مر بها العالم.
من أزمة كورونا إلى السيادة التصنيعية
إذا أردنا فهم التحول النوعي لهذا القطاع، علينا العودة إلى نقطة التحول الكبرى في عام 2020. فبينما كانت سلاسل التوريد العالمية تنهار تحت وطأة جائحة كورونا، وتكافح كبرى الدول لتوفير أبسط الفيتامينات، كانت المصانع الوطنية المصرية تعمل بكامل طاقتها.
لقد نجح قطاع المكملات الغذائية في أن يكون “حائط الصد” الأول؛ حيث لم تشهد الصيدلية المصرية نقصاً في أي من الفيتامينات أو المعادن التي تضمنتها بروتوكولات العلاج (مثل الزنك، وفيتامين D وC). هذا الاختبار القاسي منح الصناعة المصرية “شهادة ميلاد” جديدة، وأثبت أن الاعتماد على الذات في التصنيع هو الضمان الوحيد للأمن الصحي.
لغة الأرقام: استثمارات بمليارات الجنيهات
الواقع الحالي يتحدث بلغة الأرقام التي لا تقبل التأويل. فنحن اليوم بصدد صناعة ضخمة يتجاوز إجمالي استثماراتها السنوية 50 مليار جنيه مصري. لدينا 50 مصنعاً وطنياً تعمل وفق أرقى معايير الجودة العالمية، وتنتج ما يزيد عن 14 ألف منتج مسجل تحت مظلة “الهيئة القومية لسلامة الغذاء”.
هذا التطور لم يتوقف عند حدود السوق المحلي؛ بل امتد ليغزو الأسواق الدولية. فبينما تبلغ قيمة صادراتنا الحالية نحو 100 مليون دولار، نضع نصب أعيننا هدفاً طموحاً بالوصول إلى مليار دولار صادرات بحلول عام 2030. وما يبعث على الفخر هو نجاح المنتج المصري في التفوق على منافسين تقليديين من فرنسا والصين والهند في أسواق شرق وغرب أفريقيا، بفضل التزامنا بالمعايير الأوروبية والكندية التي جعلت من “صنع في مصر” علامة للجودة الموثوقة.
الابتكار.. المكمل الغذائي في ثوبه الجديد
تجاوزت الصناعة المصرية النمط التقليدي للأقراص، وانطلقت نحو “أنسنة” الدواء عبر أشكال دوائية مبتكرة تناسب كافة الفئات العمرية. فاليوم نوفر (Gummies) للأطفال، وبخاخات (Sprays)، وأمبولات شرب سهلة الاستخدام، مع تطوير مركبات كيميائية متطورة مثل (Ferrous Bisglycinate) التي تضمن أعلى نسب امتصاص للحديد دون الآثار الجانبية التقليدية.
إن المكمل الغذائي اليوم ضرورة طبية؛ فهو “حمض الفوليك” الذي يحمي الأجنة، وهو “الكالسيوم” الذي يدعم نمو الأطفال، و”البروبيوتيك” الذي يعوض نقص البكتيريا النافعة لدى كبار السن.
مسؤولية الوعي: الصيدلية هي المصدر الآمن
بصفتي متخصصاً، لا ينفصل دوري الاقتصادي عن واجبي الوطني في التحذير من “السوق السوداء” الرقمية. إن المكملات المجهولة التي تُروج عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة منتجات التخسيس والمنشطات، هي “سموم مغلفة” تهدد سلامة الكبد والكلى. المصدر الآمن الوحيد هو الصيدليات والمنصات الرسمية المعتمدة، وتحت إشراف طبي يحدد الجرعة والمدة الزمنية اللازمة.
خريطة الطريق نحو المستقبل
إن رؤيتنا لعام 2026 وما بعدها تتلخص في تحويل مصر إلى “قلعة صناعية” تصدر الصحة للعالم. نحن نملك الجودة، والخبرة البشرية، والبيئة التشريعية القوية. المكمل الغذائي المصري هو “البديل الذهبي” للمستورد؛ فهو لا يوفر العملة الصعبة فحسب، بل يقدم للمواطن جودة عالمية بسعر عادل، ويؤكد أن مصر لم تعد مجرد مستهلك، بل لاعب رئيسي في صياغة مستقبل الصناعات الصحية العالمية



