أطباء الأسنان في مصر… أزمة تتصاعد بين البطالة وتجارة الشهادات

أطباء الأسنان في مصر… أزمة تتصاعد بين البطالة وتجارة الشهادات

من التكليف”حسب الحاجة” إلى 88 كلية و12 ألف خريج سنويًا: كيف خرجت المهنة من يد التخطيط؟

في شارع مزدحم في قلب القاهرة، يقف طبيب أسنان حديث التخرج أمام عيادة صغيرة استأجرها بالاقتراض، يحاول أن يثبت لنفسه ولأسرته أن سنوات الدراسة لم تذهب هباء. أمامه لافتة جديدة وأجهزة بالتقسيط وأحلام مؤجلة، لكن خلف الباب المغلق واقع أكثر قسوة. الحركة ضعيفة، المنافسة خانقة، والفرص التي كان يعتقد أنها “مضمونة” بعد الامتياز لم تعد كما كانت. يسأل زملاءه في الدفعة عن التكليف فيجد الإجابة نفسها تتكرر بصيغ مختلفة: التكليف لم يعد قاعدة مستقرة، بل أصبح “حسب الحاجة”، والحاجة لا تُعلن بمعايير واضحة ولا تُترجم إلى مسار وظيفي يمكن البناء عليه.

هذه ليست حكاية فردية، بل مدخل إلى أزمة مهنية تتضخم عامًا بعد عام داخل مهنة طب الأسنان في مصر. أزمة عنوانها فائض أعداد يسبق قدرة الدولة والقطاع الخاص على الاستيعاب، ونظام تكليف لم يعد مظلة انتقالية للخريج، ودراسات عليا تتقلص مقاعدها وتتضخم تكاليفها، وسوق عيادات تحكمه كلفة التشغيل أكثر مما تحكمه المهارة. وبين كل ذلك، يتشكل خوف حقيقي من أن تتحول المهنة إلى “طابور انتظار” طويل، يقف فيه الطبيب الشاب على باب العمل، بينما تُفتح أبواب جديدة لكليات جديدة بلا توقف.

اقرا ايضاً: التأمين ضد الأخطاء الطبية يدخل حيز التنفيذ.. منظومة جديدة لحماية المرضى والأطباء في مصر

حين تحذر النقابة أبناء الثانوية العامة: “فكر قبل ما تقرر”

اللافت أن الأزمة لم تعد مجرد شكاوى على مواقع التواصل أو أحاديث في المقاهي الطبية، بل وصلت إلى مستوى اعتراف نقابي رسمي. فبعد إعلان نتيجة الثانوية العامة للعام الماضي، أطلقت النقابة العامة لأطباء أسنان مصر حملة توعوية تحت شعار “فكر قبل ما تقرر”، تستهدف الطلاب وأولياء الأمور المتطلعين للالتحاق بكليات طب الأسنان في العام الدراسي 2025–2026. الرسالة هنا ليست مجرد نصيحة، بل إنذار مبطن بأن المهنة لم تعد قادرة على ابتلاع موجة الخريجين الجديدة دون أن تدفعهم إلى البطالة أو العمل الهش.

النقابة قالت صراحة إن الحملة تستند إلى أرقام وإحصائيات دقيقة طالبت بمناقشتها مع وزارتي التعليم العالي والصحة والسكان، وإن الهدف ليس ثني الطلاب عن الالتحاق، بل تقديم الصورة كاملة: الزيادة الكبيرة في أعداد الخريجين، محدودية فرص الدراسات العليا، موقف التكليف الحكومي، تشبع سوق العمل الخاص، وصعوبة السفر والعمل بالخارج. أن تصل نقابة مهنية إلى مرحلة مخاطبة “المرحلة قبل الجامعة” بهذه اللغة، فهذه علامة على أن الأزمة خرجت من حدود التنظيم الداخلي إلى دائرة القلق العام.

انفجار عددي: من 123 طبيبًا إلى أكثر من 109 آلاف… والعداد لم يتوقف

وفق بيانات النقابة التي عرضتها في حملتها، شهدت أعداد أطباء الأسنان في مصر نموًا هائلًا عبر العقود. فمن 123 طبيبًا عام 1941، وصل العدد إلى 72,339 طبيبًا في 2020، ثم بلغ بحلول 2025 أكثر من 109 ألف طبيب أسنان مسجل. وتذكر النقابة أن عدد الأطباء المسجلين حتى مارس 2025 بلغ 109,374 طبيب أسنان، يعمل منهم فعليًا 97,719 طبيبًا، مع وجود 8,596 متقاعدًا و3,025 متوفى، و34 غير مسجلين في التصنيفات التفصيلية.

المقلق ليس الرقم وحده، بل الاتجاه. فبحلول عام 2030 تتوقع النقابة وصول العدد إلى 201,811 طبيب أسنان، وهو ما يعني اقتراب نسبة طبيب الأسنان إلى السكان من 1 لكل 600 مواطن. النقابة تقارن ذلك بأن أقل النسب العالمية الشائعة لأطباء الأسنان إلى السكان هي طبيب لكل 2000 مواطن، ما يثير مخاوف من تشبع السوق وتآكل جودة التدريب واشتداد المنافسة غير الصحية على المرضى.

وفي تصريحات لنقيب أطباء الأسنان الدكتور إيهاب هيكل، تتكرر مفردات مثل “التضخم غير المنضبط” و”الوضع الكارثي”، مع تأكيد أن مصر لديها عشرات الكليات التي تخرج سنويًا ما يقارب 12 ألف طبيب أسنان، وأن البطالة وصلت بالفعل إلى أطباء الأسنان.

88 كلية… وخريجين أكبر من قدرة السوق

الأزمة لا تُقرأ دون النظر إلى منبعها: التعليم. وفق ما ورد في البيانات مصر لديها 88 كلية طب أسنان تخرج نحو 12 ألف طبيب سنويًا. ومع توسع الجامعات الخاصة والأهلية، أصبح افتتاح كلية طب أسنان جزءًا من “جاذبية الاستثمار التعليمي”، لكن السؤال الذي يتجنبه الجميع هو: هل هناك تخطيط يربط عدد المقاعد في الكليات باحتياج سوق العمل؟ أم أن السوق يتسلم كل عام دفعة جديدة بلا بوابة عبور وظيفية؟

المفارقة التي تكررت في بيانات النقابة أن الولايات المتحدة، رغم ضخامتها، لديها عدد كليات أقل بكثير من مصر، مع سياسات قبول أكثر تحفظًا وعدد طلاب أقل في الدفعات. المقارنة هنا لا تُستخدم لتقليل قيمة التعليم المصري، فالنقابة نفسها تؤكد أن كليات طب الأسنان في مصر تقدم مناهج قوية وتجهيزات جيدة وتجذب وافدين، لكنها تستخدم هذه المقارنة لتقول إن العدد لم يعد منطقيًا إذا قورن بحجم وظائف التدريب والتشغيل المتاحة.

وفي الوقت الذي تتحرك فيه النقابة للتنبيه والتوعية، لا تزال حركة إنشاء الكليات الجديدة مستمرة، وهو ما تعتبره النقابة دليلًا على ضعف التنسيق بين الجهات الحكومية، لأن بناء كليات جديدة دون بناء مسارات تدريب ووظائف موازية يعني إنتاج أزمة أكبر مؤجلة.

القاهرة والجيزة “قلب الزحام”… والصعيد “فراغ الخدمة”

حتى لو قيل إن “زيادة الأطباء” ليست مشكلة إذا أحسنّا توزيعهم، فإن التوزيع نفسه يفضح خللًا متراكمًا. بيانات النقابة تشير إلى أن النسبة الأكبر من أطباء الأسنان تتركز في القاهرة والجيزة بنسبة 35.46%، بينما لا تتجاوز نسبة الأطباء في صعيد مصر 6.20%. هذا يعني أن الطبيب الشاب في العاصمة يدخل معركة مزدحمة، بينما بعض المناطق تعاني نقصًا نسبيًا في الخدمة، لكن المشكلة أن الانتقال ليس قرارًا بسيطًا؛ لأن فرص الدخل والخدمات والبنية الأساسية والتعاقدات تختلف، ولأن التكليف الذي كان ينقل الأطباء إلى مواقع الاحتياج لم يعد يعمل كآلية توزيع فعالة كما كان.

أحد الأطباء الشباب يحكي من داخل الأزمة: تخرجت وعدت إلى محافظتي في الصعيد على أمل أن أجد مساحة عمل أفضل من القاهرة، لكن العيادات هناك قدرتها الشرائية أقل، والتعاقدات محدودة، والناس تعالج الألم أكثر مما تتابع الوقاية، والنتيجة أن الطبيب يقف بين خيارين كلاهما صعب: زحام العاصمة أو ضعف السوق في الأطراف. كان التكليف سابقًا يصنع توازنًا ويمنح الطبيب خبرة وراتبًا ولو بسيطًا، أما اليوم فالبدايات أصبحت بلا شبكة أمان.

Dentist and female patient i

التكليف من “حق انتقال” إلى “احتمال إداري”

التحول الأكثر تأثيرًا على مسار الخريج هو تفريغ التكليف من معناه. لسنوات طويلة كان التكليف يمثل مرحلة عبور طبيعية بين الجامعة وسوق العمل، يمنح الطبيب خبرة مؤسسية وشهادة خدمة واحتكاكًا حقيقيًا بالمرضى. لكن حين يتحول إلى “حسب الحاجة”، يصبح الطبيب بلا مسار واضح، خاصة إذا تراكمت دفعات دون تشغيل منظم أو إعلان شفاف.

بعض الخريجين يصفون ما يحدث بأنه “بطالة مقنّعة”. طبيب يعمل ساعات في عيادة خاصة مقابل أجر يومي متواضع، لا يضمن تدريبًا محترمًا ولا مستقبلًا واضحًا، بينما يحمل لقب طبيب في الأوراق فقط. طبيب آخر يقول إن أكثر ما يكسره ليس ضعف الدخل، بل الإحساس أن الدولة لا تعرف ماذا تفعل بهم: يتم قبولهم بالآلاف في الكليات، ثم يُتركون وحدهم بعد التخرج ليبحثوا عن مكان في سوق مشبع.

النقابة في بياناتها تربط بين “غموض التكليف” و”الزيادة المفرطة في أعداد الخريجين”، وتؤكد أن استمرار هذا المسار يخلق أزمة اجتماعية ومهنية لا تقتصر على الطبيب، بل تمتد إلى جودة الخدمة وسمعة المهنة واستقرار القطاع الصحي.

الدراسات العليا… حين تصبح الشهادة سلعة

بعد أن يكتشف الطبيب أن التكليف غير مضمون، يبحث عن طريق آخر يمنحه ميزة تنافسية: الدراسات العليا. لكن هنا تبرز المفارقة الثانية. المقاعد محدودة، والطوابير طويلة، والتكاليف تتضخم حتى في بعض البرامج داخل الجامعات الحكومية، ماجستير يصل إلى 800 ألف جنيه. قد يختلف الرقم من جامعة لأخرى، لكنه يعكس إحساسًا واسعًا لدى شباب المهنة بأن “باب التخصص” لم يعد قائمًا على الاستحقاق العلمي وحده، ووفقا لتصريحات رسمية ان اماكن الجراسات العليا لا تتسع لنصف الخريجين، الذين يسوعون للحصول عليها للايجاد فرصة سفر لاحدى الدول العربية،

داخل هذا المشهد، تتحول الدراسات العليا إلى “تجارة شهادات” في نظر كثيرين، ليس لأنها بلا قيمة علمية، بل لأن القدرة على دفع الرسوم صارت شرطًا شبه حاسم في كثير من المسارات، بينما الطبيب الذي لا يمتلك المال يظل عامًا بعد عام في انتظار فرصة قد لا تأتي. طبيبة شابة تروي أنها تقدمت لأكثر من برنامج ولم تحصل على مقعد، وأن زميلتها حصلت لأن لديها القدرة على دفع الرسوم في مسار آخر. ومع غياب سعة تدريبية كافية لاستيعاب أعداد الخريجين، يصبح الطريق الطبيعي للتخصص مسدودًا أمام نصف الدفعة أو أكثر.

فتح عيادة… “حلم” يحتاج رأس مال أكثر من شهادة

الخيار الذي يبدو منطقيًا نظريًا هو فتح عيادة خاصة، لكنه في الواقع معادلة مالية لا يقدر عليها معظم الخريجين. الإيجارات مرتفعة، والتجهيزات غالية، وأجهزة التعقيم والكرسي والوحدات والأشعة والمواد الاستهلاكية أصبحت تكلفة تأسيسها وتشغيلها عبئًا ضخمًا. الطبيب الذي يتخرج دون تكليف ودون وظيفة ثابتة لا يملك غالبًا رأس المال اللازم للبدء، فيلجأ إلى الشراكة أو الاستدانة أو العمل لسنوات طويلة كطبيب مساعد في عيادات أخرى. ومع التشبع في المدن الكبرى، تتحول العيادة الجديدة إلى مشروع عالي المخاطر: قد تنجح في منطقة بعينها، وقد تفشل لأن السوق ممتلئ، والمرضى يوزعون أنفسهم على عشرات العيادات في الشارع الواحد.

ماذا يعني ذلك للمريض؟ الأزمة لا تقف عند الطبيب

قد يبدو أن القضية تخص الأطباء وحدهم، لكنها في جوهرها قضية صحة عامة وتنظيم مهنة. حين يصبح الطبيب مضطرًا للبحث عن دخل بأي ثمن، وحين يصبح التدريب المؤسسي أقل، وحين يزداد عدد الخريجين دون استيعاب أو توجيه، فإن مخاطر ذلك تمتد إلى جودة الخدمة وإلى علاقة الطبيب بالمريض. كثرة الأطباء وحدها لا تعني بالضرورة تحسن الرعاية، خصوصًا إذا كانت الكثرة في مكان واحد، وإذا كان التدريب العملي أقل مما ينبغي، وإذا كان التنافس على المريض يصبح اقتصاديًا أكثر منه طبيًا.

الأخطر أن وجود فائض في سوق غير منظم قد يفتح الباب لظواهر مهنية مقلقة، من بينها العمل بلا تدريب كافٍ، أو المبالغة في التسويق، أو الاستسهال في الإجراءات، أو الهجرة الجماعية للكفاءات إلى الخارج بحثًا عن مسار مهني أكثر استقرارًا.

لماذا لم نخطط؟ ومن يدفع الثمن؟

في قلب الملف سؤال لا بد من طرحه: إذا كانت النقابة تملك هذه الأرقام وتعلنها، وإذا كانت تحذر علنًا طلاب الثانوية العامة، فمن المسؤول عن استمرار نفس المسار؟ وكيف يمكن أن تستمر سياسات القبول وفتح الكليات دون ربطها بخريطة احتياج وطنية واضحة؟ وهل هناك نموذج تنسيق فعال بين التعليم العالي والصحة والتخطيط والهيئات المهنية؟ أم أن كل جهة تعمل في جزيرتها، ثم يُترك الخريج وحده في منتصف البحر؟

النقابة تقول إنها طالبت مرارًا بمناقشة هذه الأرقام مع الوزارات المعنية، وتصف حملتها بأنها محاولة لتمكين الأسر من قرار واعٍ. لكن القرار الأكبر ليس قرار الطالب وحده، بل قرار السياسات العامة التي تصنع الفائض ثم تبحث عن حلول بعد وقوع الأزمة.

مسارات الحل… قبل أن يصبح الطبيب “زائدًا عن الحاجة”

الحلول التي تطرحها النقابة في بياناتها تدور حول فكرة مركزية: تنظيم العدد وربط التعليم بسوق العمل. من ذلك مراجعة أعداد القبول سنويًا، ووقف التوسع غير المدروس في كليات طب الأسنان، والتوسع في فرص التدريب والدراسات العليا بشكل حقيقي لا شكلي، وبناء نظام توزيع غير مركزي يوجه الأطباء إلى المناطق الأكثر احتياجًا بدل تكدسهم في العاصمة، والاستفادة من منظومة التأمين الصحي الشامل في خلق فرص تشغيل وتعاقدات أكثر استقرارًا، وتطوير مسارات مهنية جديدة مرتبطة بالجودة والإدارة الصحية والتثقيف الصحي وطب المجتمع.

لكن كل هذه الحلول تحتاج قرارًا سياسيًا وإداريًا منسقًا، لأن المشكلة ليست نقصًا في المقترحات بقدر ما هي غياب آلية تنفيذية تجمع التعليم والتشغيل والتوزيع في خطة واحدة.

النهاية المفتوحة… جيل كامل ينتظر الإجابة

التحقيق في أزمة أطباء الأسنان لا ينتهي عند رقم أو تصريح، لأنه يمس جيلًا كاملًا دخل الكلية على أمل “مهنة المستقبل” ثم فوجئ بأن المستقبل نفسه ضبابي. الطبيب الشاب اليوم لا يسأل فقط عن راتب أو تكليف، بل يسأل عن معنى الدراسة في بلد يفتح باب الكلية واسعًا ثم يضيق باب العمل. يسأل عن جدوى التفوق إذا كانت الدراسات العليا لا تتسع، وعن جدوى الشهادة إذا كانت العيادة تحتاج رأس مال أكبر من قيمة السنوات الخمس كلها.

بوابة مصر الصحية

ربما تكون الرسالة الأوضح في هذا الملف أن الأزمة ليست في طب الأسنان وحده، بل في فكرة التخطيط المهني نفسها. وإذا لم تُحل هذه الحلقة بين التعليم والتشغيل، فسنقرأ غدًا حملات تحذيرية مشابهة في تخصصات أخرى، وسنكتشف بعد سنوات أننا لم نخسر أطباء عاطلين فقط، بل خسرنا الثقة في مسار كامل كان يفترض أن يبني صحة المجتمع لا أن يستهلك أحلام الشباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top