تستعد جامعة غوتنبرغ في السويد لإطلاق واحدة من أكثر التجارب الطبية ابتكارًا في مجال الطب التجديدي، عبر تنفيذ أول عملية من نوعها عالميًا لزراعة أنسجة بشرية مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، باستخدام دهون مأخوذة من المرضى أنفسهم، في خطوة قد تمهد لتحول جذري في مستقبل زراعة الأنسجة والأعضاء.
وتُجرى التجربة داخل مستشفى جامعة ساهلغرينسكا التابعة لـ جامعة غوتنبرغ، بمشاركة عشرة مرضى يخضعون لجراحات شد البطن، حيث يقوم الفريق الطبي بشفط كميات صغيرة من الدهون الزائدة من جسم المريض، ثم إعادة تدويرها داخل مختبرات متخصصة لدمجها مع مادة حيوية تُعرف باسم “الحبر الحيوي”، قبل استخدامها في طابعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج نسيج بشري مصمم بدقة.
وبعد عملية الطباعة، يُعاد النسيج المزروع إلى جسم المريض في نفس الجراحة، في نموذج علاجي يجمع بين الجراحة التجميلية والتكنولوجيا الحيوية المتقدمة، ويُتوقع أن يفتح الباب أمام استخدامات أوسع في إعادة بناء الأنسجة التالفة وعلاج التشوهات الجسدية.
اقرأ ايضًا: لأول مرة.. تفاصيل استيراد مستشفى “أهل مصر” أول شحنة من “الجلد المجمد”
تقنية تحاكي زراعة الدهون لكن بدقة هندسية أعلى
وتشبه هذه التقنية إلى حد كبير عمليات حقن الدهون التقليدية المستخدمة في الجراحات التجميلية، إلا أنها تتفوق عليها من حيث القدرة على التحكم في شكل النسيج ودرجة صلابته وبنيته الداخلية، ما يمنحه قدرة أكبر على الثبات والاستمرارية داخل الجسم مقارنة بالطرق التقليدية.
ويرى الباحثون أن هذه الخطوة تمثل تطورًا مهمًا في مجال الطب التجديدي، إذ تعتمد على استخدام مواد من جسم المريض نفسه، ما يقلل بشكل كبير من احتمالات الرفض المناعي أو المضاعفات المرتبطة بزراعة أنسجة أو مواد صناعية.
نحو جيل جديد من الطب التجديدي
وتعتمد التقنية على مفهوم متقدم في الهندسة الحيوية يقوم على إعادة تشكيل الخلايا الدهنية وتحويلها إلى مادة قابلة للطباعة ثلاثية الأبعاد، بما يسمح بإنتاج أنسجة مخصصة لكل مريض وفق احتياجاته الجسدية، وهو ما قد يغير مستقبل الجراحة الترميمية بشكل جذري.
ويؤكد الخبراء أن نجاح هذه التجربة قد يمهد لتطبيقات أوسع تشمل إعادة بناء العضلات، ومعالجة الحروق، وترميم الأنسجة التالفة بعد الحوادث أو العمليات الجراحية، بل وربما التقدم مستقبلاً نحو طباعة أجزاء أكبر وأكثر تعقيدًا من الجسم البشري.

أهمية علمية وطبية متصاعدة
تكمن أهمية هذا المشروع في كونه يجمع بين تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد والطب الحيوي الذاتي، وهو ما يقلل الاعتماد على المتبرعين أو المواد الصناعية، ويزيد من فرص التوافق البيولوجي داخل الجسم.
كما يمثل المشروع خطوة أولى نحو تطوير حلول علاجية أكثر دقة وشخصية، في وقت يشهد فيه العالم طلبًا متزايدًا على تقنيات الطب التجديدي بسبب ارتفاع معدلات الإصابات المزمنة والحوادث وعمليات التجميل والترميم.
آفاق مستقبلية واعدة
ويرى الباحثون أن نجاح التجربة سيشكل نقطة تحول في تاريخ الطب الحديث، خاصة إذا أثبتت الأنسجة المطبوعة قدرتها على البقاء والعمل بكفاءة داخل الجسم لفترات طويلة دون مضاعفات.
ومع استمرار تطوير هذه التقنية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً تصنيع أنسجة وأعضاء بشرية مخصصة بالكامل لكل مريض، بما يفتح آفاقًا جديدة في علاج الأمراض المستعصية وتقليل قوائم الانتظار لعمليات الزراعة التقليدية.
وتُعد هذه التجربة واحدة من أبرز المشاريع البحثية في أوروبا حاليًا، لما تحمله من وعود بإعادة تعريف مفهوم العلاج الجراحي والانتقال من “الإصلاح” إلى “إعادة البناء الحيوي الكامل” للجسم البشري.



