قبل أسابيع من عطلات أعياد الميلاد ورأس السنة، تجتاح القارة الأوروبية موجة من الإنفلونزا الموسمية وُصفت بـ “الخارقة” أو “إنفلونزا K“، في إشارة إلى السلالة المتحورة (subclade K) من إنفلونزا A (H3N2) التي تقف وراء هذا الانتشار العنيف. هذه الموجة لم تبدأ أبكر من المعتاد فحسب، بل فاقت في شراستها ذروة المواسم الثلاثة الماضية في بعض الدول، دافعة الأنظمة الصحية نحو حافة الانهيار المحتمل. وبينما تتزايد التجمعات العائلية ومواسم السفر، يخشى الخبراء أن تتحول فترة الأعياد إلى بؤرة عدوى جماعية، مما يفرض ضغوطاً غير مسبوقة على أقسام الطوارئ والمستشفيات.
أوروبا تحت الحصار: بيانات تفوق التوقعات

تؤكد التقارير الصادرة عن المراكز الأوروبية لمكافحة الأمراض أن انتشار الإنفلونزا هذا الموسم بدأ قبل ثلاثة إلى أربعة أسابيع من المواعيد المعتادة، وهو ما عجل بـ “الأسوأ سيناريو شتوي محتمل”.
معاهد الصحة الأوروبية تحذرمن وباء قادم
إسبانيا: أعلنت السلطات الصحية أن معدلات الإصابة بمتلازمة الإنفلونزا تجاوزت مستويات ذروة المواسم الثلاثة الماضية مجتمعة، مشيرة إلى أن السلالة K تتميز بسرعة انتشار غير معتادة.
فرنسا: أعلنت السلطات الصحية دخول 12 من أصل 13 منطقة في البلاد مرحلة الوباء رسمياً، مع تسجيل أعلى نسب إصابة بشكل ملحوظ بين فئة الأطفال.
المملكة المتحدة: حذر نظام الصحة الوطني (NHS) من ضغط “غير مسبوق”، حيث شهدت حالات الدخول إلى المستشفيات ارتفاعاً هائلاً وصل إلى 50% مقارنة بالعام الماضي، وتجاوز متوسط عدد المرضى في أسرة المستشفيات 2660 مريضاً يومياً في ذروة البيانات المُعلنة.البرتغال وإيطاليا: تشهدان موجة مبكرة ومتسارعة، وسط تحذيرات من أن ذروة الإصابات قد تتزامن بشكل مباشر مع تجمعات عيد الميلاد ورأس السنة.

سلالة K: سبب الشراسة والانسلال المناعي
يكمن السر وراء وصف هذه الموجة بـ “الخارقة” في الخصائص البيولوجية للسلالة المهيمنة والوضع المناعي العام للسكان بعد فترات التباعد الاجتماعي.
سلالة إنفلونزا A (H3N2) المتحورة:
أكدت الهيئات الصحية أن السلالة المهيمنة هي (subclade K) من إنفلونزا A (H3N2)، وهي سلالة متحورة اكتسبت طفرات جديدة سمحت لها بـ “الانسلال” (Drifting) من الاستجابة المناعية لأجسامنا. هذا يعني أن المناعة المكتسبة من إصابات سابقة أو حتى من اللقاحات قد لا تكون فعالة بالدرجة الكافية لمنع العدوى.
أزمة الانتشار السريع:
على الرغم من أن السلالة K قد لا تكون “أكثر خطورة جوهرياً” في تأثيرها الفيروسي المباشر مقارنة بأسلافها، إلا أن قدرتها على الانتشار السريع وسط مناعة منخفضة أدت إلى:
ارتفاع قياسي في الحالات الإجمالية: مما يزيد حتمًا من عدد الحالات التي تصل إلى مرحلة المضاعفات الشديدة.
زيادة الضغط على الطوارئ: خاصة مع المخاوف من انهيار أقسام الطوارئ خلال فترة الأعياد، نظراً لزيادة الإصابات المتزامنة بين الأطفال والشباب.
حماية الأعياد: توعية وتحصين ضد الكابوس الصحي
يطرح هذا المشهد الصحي أسئلة ملحة للمواطنين حول دور اللقاح والإجراءات الوقائية، خاصة مع اقتراب موسم السفر والتجمعات العائلية.
1. فعالية اللقاح ضد المضاعفات:
أقرت وكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة (UKHSA) بأن اللقاح الموسمي قد يكون “أقل تطابقاً” مع سلالة H3N2 المنجرفة في منع الإصابة. ومع ذلك، تبقى رسالة الخبراء واضحة: اللقاحات “ما زالت توفر حماية مفيدة” ضد المضاعفات الشديدة والدخول إلى المستشفى. وقد تراوحت نسبة الحماية ضد الاستشفاء في التقارير الأخيرة بين 70-75% للأطفال و 30-40% للبالغين، وهي حماية حاسمة تنقذ الأرواح.
2. الوقاية لمنع بؤر العدوى:
شدد الخبراء على أن موسم السفر والتجمعات العائلية قد يحول الإنفلونزا إلى “كابوس صحي واسع النطاق”. لذا، يُدعى المواطنون إلى:
الإسراع بالتطعيم، خاصة للفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
الالتزام بالإجراءات الوقائية الأساسية، مثل غسل اليدين وارتداء الكمامات في الأماكن المزدحمة.
أزمة “إنفلونزا K” في أوروبا هذا الشتاء هي بالأساس أزمة تزامن: تزامن سلالة متحورة ذات قدرة عالية على “الانسلال” المناعي، مع تجمعات عطلات الأعياد، مما يزيد الضغط على المنظومة الصحية. هذا المشهد يذكرنا بأن الطب الوقائي المتكامل هو خط الدفاع الأهم. رسالة الخبراء للمواطنين وللأنظمة الصحية في المنطقة هي: حماية الأفراد والفئات الأكثر ضعفاً تبدأ بالتحصين المتاح، والمضي قدماً في الممارسات الصحية الآمنة لتجنب تحول الاحتفالات إلى بؤر عدوى.



