اعتلال عضلة القلب الضُخامي.. مرض وراثي قد يهدد الشباب

يصيب شخصًا من كل 200 إلى 500 حول العالم.. والتشخيص المبك يقلل خطر الوفاة المفاجئة

كتبت: حنين عبدالوهاب

قد يبدو شابًا يتمتع بصحة جيدة، يمارس الرياضة بصورة طبيعية، ثم يفاجأ بإغماء مفاجئ أو ضيق شديد في التنفس أو حتى توقف القلب دون إنذار. في كثير من هذه الحالات يكون السبب مرضًا وراثيًا يُعرف باسم اعتلال عضلة القلب الضُخامي (Hypertrophic Cardiomyopathy – HCM)، أحد أكثر أمراض عضلة القلب الوراثية شيوعًا، وأحد أبرز أسباب الوفاة القلبية المفاجئة بين الشباب والرياضيين.

ورغم خطورته، فإن آلاف المرضى يعيشون سنوات طويلة دون أن يعلموا بإصابتهم، لأن المرض قد يظل صامتًا لفترة طويلة قبل ظهور الأعراض.

اقرأ ايضًا: الرعاية الصحية تُجري أول تقنية لعلاج اعتلال عضلة القلب بالشرق الأوسط

ملايين المصابين حول العالم

تشير أحدث تقديرات الجمعيات العلمية إلى أن المرض يصيب شخصًا واحدًا من كل 200 إلى 500 شخص، وهو ما يعني أن عدد المصابين عالميًا قد يتجاوز 40 مليون شخص، إلا أن نسبة كبيرة منهم لم تُشخَّص بعد.

وتؤكد الدراسات أن أقل من 20% من المرضى يعرفون أنهم مصابون، بينما يظل الباقون دون تشخيص، ما يزيد خطر المضاعفات الخطيرة.

لماذا يحدث المرض؟

يحدث اعتلال عضلة القلب الضُخامي نتيجة طفرات جينية وراثية تؤثر في البروتينات المسؤولة عن انقباض عضلة القلب، فتؤدي إلى تضخم غير طبيعي في جدار البطين الأيسر، خاصة الحاجز العضلي الفاصل بين البطينين.

وينتقل المرض غالبًا بالوراثة، فإذا كان أحد الوالدين مصابًا، فإن احتمال انتقال الطفرة إلى الأبناء يصل إلى 50%.

ولهذا توصي الإرشادات العالمية بإجراء الفحص الدوري لجميع أفراد الأسرة من الدرجة الأولى، سواء بالفحص الإكلينيكي أو رسم القلب أو الموجات فوق الصوتية، مع اللجوء للاختبارات الجينية عند الحاجة.

لماذا يمثل المرض خطورة؟

تكمن خطورة المرض في أن تضخم العضلة قد يمنع خروج الدم بصورة طبيعية من القلب، فيما يُعرف باعتلال عضلة القلب الضُخامي الانسدادي (HOCM)، وهو الشكل الأكثر شيوعًا.

كما يؤدي تضخم العضلة إلى اضطراب في النظام الكهربائي للقلب، ما يزيد احتمالات:

* اضطرابات ضربات القلب.

* الرجفان الأذيني.

* تكوّن الجلطات.

* السكتة الدماغية.

* فشل عضلة القلب.

* الوفاة القلبية المفاجئة، خاصة لدى الشباب والرياضيين.

وتوضح الدراسات أن اعتلال عضلة القلب الضُخامي يُعد السبب الأكثر شيوعًا للوفاة المفاجئة أثناء ممارسة الرياضة لدى الرياضيين صغار السن.

أعراض قد تبدو بسيطة

في كثير من الأحيان تبدأ الأعراض بصورة غير واضحة، وقد يظن المريض أنها ناتجة عن الإرهاق أو ضعف اللياقة البدنية.

ومن أبرز الأعراض:

* ضيق التنفس مع المجهود.

* ألم أو ضغط في الصدر.

* خفقان القلب.

* الدوخة أو الإغماء.

* انخفاض القدرة على ممارسة النشاط البدني.

ويؤكد الأطباء أن استمرار هذه الأعراض، خاصة لدى الشباب أو في وجود تاريخ عائلي للوفاة المفاجئة، يستدعي التقييم الطبي الفوري.

كيف يُشخَّص؟

شهد تشخيص المرض تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.

ويعتمد التشخيص على:

* رسم القلب الكهربائي.

* الموجات فوق الصوتية على القلب (Echo).

* الرنين المغناطيسي للقلب (Cardiac MRI).

* الاختبارات الجينية.

* اختبارات المجهود.

* أجهزة مراقبة اضطرابات ضربات القلب.

كما بدأ الذكاء الاصطناعي يلعب دورًا متزايدًا في تحليل صور القلب ورسم القلب، بما يساعد على اكتشاف الحالات مبكرًا قبل ظهور المضاعفات.

كيف تطور العلاج؟

حتى سنوات قليلة مضت، كان العلاج يعتمد بصورة أساسية على:

* أدوية تنظيم ضربات القلب.

* حاصرات بيتا.

* حاصرات قنوات الكالسيوم.

* أجهزة إزالة الرجفان (ICD) للحالات الأكثر عرضة للوفاة المفاجئة.

* الجراحة لاستئصال الجزء المتضخم من الحاجز العضلي.

لكن السنوات الأخيرة شهدت طفرة حقيقية في العلاج.

أولًا.. العلاج الدوائي الموجه

أحدثت أدوية Mavacamten وAficamten نقلة نوعية، إذ تستهدف الآلية المرضية نفسها، من خلال تقليل فرط انقباض عضلة القلب وتحسين تدفق الدم، وقد أثبتت الدراسات السريرية قدرتها على تحسين الأعراض وتقليل الحاجة إلى التدخل الجراحي لدى عدد من المرضى.

ثانيًا.. القسطرة التداخلية

أصبحت تقنية Alcohol Septal Ablation من الخيارات العلاجية المهمة للحالات الانسدادية، حيث يتم حقن كمية محددة من الكحول في أحد الشرايين المغذية للجزء المتضخم من الحاجز العضلي لتقليل سماكته وتحسين تدفق الدم.

ثالثًا.. تقنية SESAME

ومن أحدث التطورات العالمية تقنية SESAME (Septal Scoring Along the Midline Endocardium)، التي تُعد من أكثر التقنيات تطورًا في علاج الحالات المعقدة.

وتعتمد على إجراء شق دقيق داخل الحاجز العضلي باستخدام القسطرة التداخلية لإعادة تشكيل العضلة وتقليل الانسداد، ويمكن دمجها مع تقنيات أخرى مثل Alcohol Septal Ablation لتحقيق أفضل النتائج.

ولا تزال هذه التقنية تُجرى في عدد محدود جدًا من المراكز الطبية العالمية، ما يجعل نجاح تطبيقها لأول مرة في الشرق الأوسط داخل مصر خطوة مهمة في توطين أحدث التقنيات العلاجية.

هل يمكن للمريض أن يعيش حياة طبيعية؟

الإجابة نعم.

فبفضل التشخيص المبكر، والمتابعة المنتظمة، والعلاجات الحديثة، أصبح معظم المرضى قادرين على ممارسة حياتهم بصورة طبيعية، مع تقليل خطر المضاعفات بشكل كبير.

وتؤكد الإرشادات الأوروبية والأمريكية الحديثة أن الاكتشاف المبكر، وتقييم خطر الوفاة المفاجئة، واختيار العلاج المناسب لكل حالة، عوامل أساسية لتحسين معدلات البقاء وجودة الحياة.

رسالة مهمة

يشدد خبراء القلب على أن وجود تاريخ عائلي للوفاة المفاجئة، أو الإصابة باعتلال عضلة القلب الضُخامي، يستدعي فحص جميع أفراد الأسرة، لأن المرض قد يظل صامتًا سنوات طويلة قبل أن يكشف عن نفسه بمضاعفات خطيرة، بينما يتيح التشخيص المبكر والعلاج الحديث حماية المرضى ومنحهم فرصة لحياة طبيعية وآمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top