تحقيق: حنين عبد الوهاب
الإدمان لم يعد مجرد خطر اجتماعي، بل تهديد عالمي شامل يضغط على الصحة العامة والاستقرار الاقتصادي. فبين عالم يزداد توترًا، وشباب يعيشون في دوامة من الضغوط النفسية والاكتئاب والقلق، تتسع رقعة التعاطي عامًا بعد عام، وتتغير أنواعه وأدواته، وتتسلل المخدرات إلى الفئات الأصغر سنًا عبر الإنترنت ومنصات الألعاب و”التريندات” الرقمية.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى وجود 300 مليون شخص حول العالم يتعاطون المخدرات، بزيادة 23% خلال عشر سنوات، بينما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن المخدرات والكحول تتسبب في 3.2 مليون وفاة سنويًا، بينها 600 ألف وفاة بسبب المخدرات وحدها.
أما الإنترنت بحسب الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات فقد أصبح «سوقًا مفتوحًا» لأنواع جديدة من المخدرات التخليقية، تستهدف المراهقين والشباب بإعلانات خادعة لا تُظهر سوى “النشوة”، وتُخفي الواقع المظلم للإدمان.

أرقام تدق ناقوس الخطر
تشير بيانات صندوق مكافحة وعلاج الإدمان إلى أن مصر سجلت نسبة تعاطٍ بلغت 5.6% من السكان، متجاوزة المعدل العالمي البالغ 5%.
وتكشف دراسة وطنية عن طلاب الثانوية أن 12.8% منهم يقضون أكثر من 6 ساعات يوميًا في الألعاب الإلكترونية، وأن 8.1% مارسوا المقامرة الرقمية خلال العام الأخير، وهي ممارسات ترتبط لاحقًا باضطرابات الإدمان.
وتتنوع أشكال التعاطي في مصر بين المخدرات التقليدية والمخدرات التخليقية مثل الشادو والاستروكس والبلات، إلى جانب إدمان العقاقير الطبية، وإدمان الإنترنت والسلوكيات القهرية.
وقاية وعلاج وتأهيل وبناء وعي
تؤكد الدكتورة منن عبدالمقصود، رئيس الأمانة العامة للصحة النفسية، أن الدولة أطلقت برنامجًا شاملًا للصحة النفسية وعلاج الإدمان يضم أحدث البرامج العلاجية المعتمدة دوليًا، ويجمع بين العلاج الطبي، والدعم النفسي، والتأهيل الاجتماعي.
وشهدت السنوات الأخيرة توسعًا غير مسبوق في البنية التحتية لخدمات علاج الإدمان، حيث وصل عدد مراكز “عزيمة” إلى 34 مركزًا في 19 محافظة، بعد افتتاح وتطوير مراكز جديدة في أسوان وقنا ودمياط ومطروح والمنيا والبحيرة وغيرها، مع خطة لافتتاح 5 مراكز إضافية بين 2024 و2026، بتكلفة إجمالية تبلغ 14 مليار جنيه.
وعلى مستوى الكشف المبكر، خضع 800 ألف موظف حكومي لتحليل المخدرات، وانخفضت نسبة التعاطي بينهم من 8% إلى 1% فقط، بينما تراجعت النسبة بين سائقي المدارس إلى 0.5% بعد أن كانت 12% عام 2017.
كما أطلقت الدولة المنصة الوطنية للصحة النفسية عام 2022، وبلغ عدد مستخدميها 23 ألف شخص، وقدمت أكثر من 978 جلسة علاجية بسرية تامة، إضافة إلى برامج الوقاية في 10 آلاف مدرسة و1000 مركز شباب.

صندوق مكافحة الإدمان… حضور قوي في المدارس والجامعات والمجتمعات
يواصل الصندوق تنفيذ مبادرات واسعة النطاق، منها:
• حملات “خدعوك فقالوا” في الميادين العامة.
• التوعية بـ”حياة كريمة” والمناطق المطورة.
• أكبر برنامج وقائي لطلاب المدارس باستخدام المحتوى المرئي.
• مبادرة “ضد إدمان الألعاب الإلكترونية”.
كما يقدم الصندوق خدمات علاج مجانية وسرية عبر الخط الساخن 16023، ويستفيد من خدماته نحو 170 ألف مريض سنويًا.
الإدمان معركة وعي قبل أن تكون معركة علاج
الإدمان ليس “اختيارًا شخصيًا” ولا “سلوكًا عابرًا”، بل حالة صحية ونفسية واجتماعية تحتاج إلى علاج متكامل. ورغم التحديات، تمضي مصر بخطى ثابتة نحو بناء منظومة شاملة للوقاية والعلاج وإعادة التأهيل، تُعيد دمج المتعافين في المجتمع وتعيد بناء أسر تأثرت بهذه الظاهرة.
فالمعركة الحقيقية ليست مع المخدر فحسب، بل مع الجهل، والوصم، والضغوط، والأفكار الزائفة التي تروّج للإدمان كمهرب… بينما هو في الحقيقة طريق بلا عودة.



