لماذا لم يحصل أحد أخطر فيروسات العالم على الاهتمام الكافي؟
بينما يثير ظهور إصابة واحدة بفيروس نادر في أوروبا أو أمريكا حالة استنفار عالمي، يواصل فيروس الإيبولا حصد الأرواح في أفريقيا منذ عقود، وسط تساؤلات متزايدة حول العدالة الصحية العالمية، وأولويات البحث العلمي، ولماذا لا تتحرك المنظومة الدولية بنفس القوة إلا عندما يقترب الخطر من الدول الغنية.
ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه السلطات الصحية الأفريقية عن تفشٍ جديد لفيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أسفر حتى الآن عن وفاة 65 شخصًا وتسجيل 246 حالة يُشتبه في إصابتها، بحسب مراكز أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ما يعيد المخاوف من استمرار الفيروس في حصد الأرواح داخل القارة الأفريقية وسط تحديات تتعلق بالتمويل والرعاية الصحية والبحث العلمي
فمنذ اكتشاف فيروس الإيبولا عام 1976، تسبب في آلاف الوفيات داخل القارة الأفريقية، ووصلت معدلات الوفاة في بعض السلالات إلى نحو 60% وربما أكثر، ومع ذلك ما يزال العالم يملك خيارات محدودة من اللقاحات والعلاجات مقارنة بما حدث مع أوبئة أخرى حظيت بتمويل ضخم وتسارع علمي غير مسبوق.
الإيبولا.. أحد أخطر الفيروسات المعروفة
ينتمي فيروس الإيبولا إلى مجموعة “الفيروسات الخيطية”، ويسبب حمى نزفية شديدة قد تؤدي إلى فشل الأعضاء والنزيف والوفاة خلال أيام.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن إجمالي الإصابات المسجلة عبر التفشيات المختلفة تجاوز 40 ألف حالة، بينما تخطت الوفيات 16 ألف شخص، معظمهم في دول أفريقية مثل الكونغو الديمقراطية وغينيا وسيراليون وليبيريا وأوغندا.
وخلال وباء غرب أفريقيا بين 2014 و2016 فقط، سُجل أكثر من 28 ألف إصابة ونحو 11 ألف وفاة، في واحدة من أسوأ الكوارث الصحية بالقارة.
لماذا يُعد الإيبولا مرعبًا لهذه الدرجة؟
تكمن خطورة الإيبولا في عدة عوامل:
* معدل وفيات مرتفع قد يصل إلى 60% أو أكثر بحسب السلالة
* سرعة تدهور الحالة الصحية
* انتقال العدوى عبر سوائل الجسم
* ضعف الأنظمة الصحية في المناطق المتضررة
* غياب العلاج الحاسم في كثير من الحالات
وتبدأ الأعراض عادة بـ:
* حمى شديدة
* إرهاق وآلام عضلية
* قيء وإسهال
* نزيف داخلي وخارجي في المراحل المتقدمة
ورغم أن الفيروس لا ينتشر بسهولة مثل الإنفلونزا أو كورونا، فإن ضعف إمكانيات العزل والرعاية الصحية في بعض المناطق يساهم في اتساع التفشيات.
لقاح واحد.. وخيارات محدودة
حتى الآن، يُعد لقاح “Ervebo” أبرز لقاح معتمد ضد فيروس الإيبولا، لكنه يستهدف سلالة “زائير” فقط، ولا يغطي جميع أنواع الفيروس المعروفة.
كما أن العلاجات المتاحة ما تزال محدودة وتعتمد بشكل كبير على الأجسام المضادة والرعاية الداعمة، في وقت يؤكد فيه خبراء أن حجم الاستثمار العلمي الموجه للإيبولا لا يزال أقل بكثير من حجم خطورته.
ويشير باحثون إلى أن الاهتمام العالمي بالإيبولا غالبًا ما يتصاعد فقط عندما تظهر مخاوف من انتقال العدوى إلى أوروبا أو الولايات المتحدة، قبل أن يتراجع مجددًا بعد احتواء التفشي داخل أفريقيا.
هل تتحكم الجغرافيا في أولويات البحث العلمي؟
هذا السؤال أصبح مطروحًا بقوة داخل الأوساط الصحية والحقوقية العالمية.
فمقارنة بسرعة تطوير لقاحات وعلاجات لأمراض تهدد الدول الغنية، يرى كثير من الخبراء أن أمراضًا مثل الإيبولا، والملاريا، وبعض الأمراض المدارية المهملة، لم تحصل تاريخيًا على نفس حجم التمويل أو الزخم البحثي، رغم تسببها في مئات الآلاف من الوفيات سنويًا.
وتشير تقارير دولية إلى أن جزءًا كبيرًا من أبحاث وتطوير الأدوية عالميًا يرتبط بالعائد الاقتصادي المتوقع، ما يجعل الأمراض المنتشرة في الدول الفقيرة أقل جذبًا للاستثمارات الدوائية الكبرى.
العدالة الصحية العالمية تحت الاختبار
جائحة كورونا أعادت فتح النقاش حول مفهوم “العدالة الصحية العالمية”، بعدما ظهرت فجوات واضحة في توزيع اللقاحات والرعاية الصحية بين الدول الغنية والفقيرة.
ويرى متخصصون أن الإيبولا يمثل مثالًا واضحًا على هذا التفاوت، إذ ظلت دول أفريقية تواجه الفيروس لعقود بإمكانات محدودة، بينما لم يتحول إلى أولوية عالمية مستمرة رغم خطورته العالية.
ويحذر خبراء الصحة العامة من أن تجاهل الأوبئة في أي منطقة بالعالم لا يعني أنها ستبقى محصورة جغرافيًا، خاصة مع سهولة السفر والتنقل الدولي.
اقرأ ايضًا: تحذير عالمي جديد.. هل يتحول فيروس «هانتا» إلى جائحة تهدد العالم؟
هل يتغير المشهد مستقبلًا؟
خلال السنوات الأخيرة، بدأت بعض المبادرات الدولية في زيادة التمويل المخصص للأمراض الوبائية في أفريقيا، مع توسيع برامج اللقاحات وتحسين أنظمة الرصد الوبائي، لكن خبراء يرون أن الطريق ما يزال طويلًا لتحقيق عدالة حقيقية في البحث العلمي والرعاية الصحية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون:
هل يتحرك العالم وفق خطورة المرض فعلًا… أم وفق مكان ظهوره ومن يصيبهم؟



