التستوستيرون والرجفان الأذيني.. دراسة تحذر من الخطر

مراجعة حديثة: العلاقة تأخذ شكل حرف «U».. والعلاج التعويضي يحتاج إلى ضبط الجرعات والمتابعة خاصة لدى الرجال الأكبر سنًا ومرضى القلب

هل انخفاض هرمون التستوستيرون هو المشكلة الوحيدة التي يجب القلق منها لدى الرجال؟ مراجعة علمية حديثة تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا.

فبحسب مراجعة نُشرت في Journal of the Endocrine Society في سبتمبر 2026، قد يرتفع خطر الإصابة بـالرجفان الأذيني، وهو أحد أشهر اضطرابات نظم القلب، عند مستويين متعاكسين من التستوستيرون: عندما يكون منخفضًا جدًا، وأيضًا عندما يرتفع إلى مستويات مرتفعة. ويصف الباحثون هذه العلاقة بأنها تأخذ شكل حرف U، حيث يبدو الخطر أقل عند المستويات المتوسطة ثم يرتفع عند الطرفين.

وهذا الطرح يفتح سؤالًا مهمًا أمام الرجال الذين يستخدمون العلاج التعويضي بالتستوستيرون: هل رفع الهرمون إلى مستوى أعلى يعني بالضرورة فائدة أكبر؟ الإجابة التي تقترحها المراجعة هي: ليس بالضرورة.

ما هو الرجفان الأذيني؟

الرجفان الأذيني هو اضطراب في كهرباء القلب يجعل ضربات الأذينين سريعة وغير منتظمة. وقد يشعر المريض بخفقان أو ضيق في التنفس أو دوخة وإجهاد، بينما قد لا تظهر أعراض واضحة لدى بعض الأشخاص.

وتأتي أهميته من أنه قد يزيد خطر تكوّن جلطات داخل القلب وانتقالها إلى المخ، وبالتالي زيادة احتمال السكتة الدماغية، خاصة لدى من لديهم عوامل خطورة أخرى.

لماذا يبدو التستوستيرون كأنه يعمل في اتجاهين؟

المراجعة جمعت نتائج دراسات سكانية وتجارب سريرية وأبحاث معملية، وخلص الباحثون إلى أن نقص التستوستيرون وارتفاعه قد يؤثران في كهرباء القلب بطرق مختلفة.

عند المستويات المنخفضة، تشير بعض الأبحاث إلى تغيرات في تعامل خلايا القلب مع الكالسيوم، ما قد يجعل الخلايا أكثر قابلية لإطلاق إشارات كهربائية غير طبيعية.

أما عند المستويات المرتفعة، فتشير الدراسات إلى أن التستوستيرون قد يؤثر في قنوات كهربائية أخرى داخل خلايا الأذين ويقصّر مدة النشاط الكهربائي، بما يمكن أن يهيئ الظروف لنشوء الرجفان الأذيني. لكن الباحثين يؤكدون أن هذه الآليات لا تزال بحاجة إلى إثبات أكبر في الدراسات السريرية.

بيانات من UK Biobank تدعم فكرة «حرف U»

تحليل واسع لبيانات UK Biobank أظهر أن خطر الرجفان الأذيني ارتفع عند طرفي توزيع التستوستيرون لدى الرجال، أي بين من لديهم مستويات منخفضة، وكذلك بين من لديهم مستويات مرتفعة من الهرمون.

وتدعم هذه النتائج فكرة أن المشكلة لا تكمن في «النقص» فقط، وأن هناك نطاقًا متوسطًا قد يكون أكثر أمانًا من الطرفين.

دراسة على أكثر من 4500 رجل

المراجعة استشهدت أيضًا بتحليل لدراسة ASPREE شمل 4570 رجلًا من كبار السن.

وخلال متابعة استمرت في المتوسط نحو 4.4 سنوات، ظهرت 286 حالة جديدة من الرجفان الأذيني.

وكان الرجال في أعلى فئتين لمستويات التستوستيرون أكثر عرضة للإصابة بالرجفان الأذيني بنحو الضعف مقارنة بمن كانوا في الفئة المتوسطة، مع نسب خطر بلغت نحو 1.91 و1.98.

تجربة TRAVERSE أثارت انتباه أطباء القلب

واحدة من أهم الإشارات جاءت من تجربة TRAVERSE، وهي تجربة كبيرة شملت أكثر من 5200 رجل يعانون نقصًا في التستوستيرون، ولديهم بالفعل أمراض قلب وأوعية دموية أو خطورة مرتفعة للإصابة بها.

الخبر المطمئن أن العلاج بالتستوستيرون لم يرفع بصورة عامة معدل الأحداث القلبية الكبرى، مثل النوبات القلبية والسكتات، مقارنة بالعلاج الوهمي.

لكن ظهر فرق في الرجفان الأذيني.

فقد أصيب بالرجفان الأذيني 3.5% من الرجال الذين استخدموا التستوستيرون مقابل 2.4% في مجموعة العلاج الوهمي.

كما ظهرت اضطرابات نظم غير مميتة احتاجت إلى تدخل طبي لدى 5.2% من مجموعة التستوستيرون مقابل 3.3% في المجموعة الأخرى.

وهذه النتائج لم تجعل التستوستيرون «دواءً خطرًا»، لكنها أعطت الأطباء سببًا أقوى لمراقبة اضطرابات نظم القلب أثناء العلاج، خصوصًا لدى المرضى الأكثر عرضة للمشكلات القلبية.

هل معنى ذلك أن العلاج التعويضي بالتستوستيرون غير آمن؟

لا.

المراجعة لا توصي بإيقاف العلاج، ولا تقول إن كل رجل يتلقى التستوستيرون معرض للإصابة بالرجفان الأذيني.

بل إن تجربة TRAVERSE نفسها وجدت أن العلاج لم يكن أسوأ من العلاج الوهمي فيما يتعلق بمعدل الأحداث القلبية الكبرى الأساسية.

المشكلة، بحسب الباحثين، قد تظهر عندما تكون الجرعة أعلى من احتياج المريض أو يرتفع مستوى التستوستيرون إلى مستويات مرتفعة، خاصة لدى من لديهم أساسًا عوامل خطورة للرجفان الأذيني.

ليس كل رجل يحتاج إلى التستوستيرون

الرسالة الأهم هنا أن العلاج التعويضي لا ينبغي استخدامه لمجرد الإحساس بالإرهاق أو انخفاض الطاقة أو بهدف زيادة الكتلة العضلية.

تشخيص نقص التستوستيرون يحتاج إلى وجود أعراض متوافقة مع النقص، إلى جانب قياسات مخبرية تؤكد انخفاض مستواه، وعادة ما يحتاج الطبيب إلى إعادة القياس في توقيت مناسب قبل اتخاذ قرار العلاج.

وبعد بدء العلاج، تكون المتابعة جزءًا أساسيًا منه، وليس خطوة اختيارية.

التستوستيرون والرجفان الأذيني.. دراسة تحذر من الخطر

لماذا يحتاج العلاج إلى «تفصيل على مقاس المريض»؟

المراجعة تدعو إلى الانتقال من فكرة «رفع التستوستيرون قدر الإمكان» إلى الوصول لمستوى فسيولوجي مناسب لكل مريض.

فالمستوى المطلوب لشاب لا يعاني أمراضًا مزمنة قد يختلف عن رجل تجاوز الستين ويعاني ارتفاع ضغط الدم أو السكري أو انقطاع النفس أثناء النوم أو مرضًا في القلب.

ويشير الباحثون إلى أن الاستخدام الأكثر أمانًا يعتمد على ضبط الجرعة، ومراقبة مستوى الهرمون، ومتابعة الأعراض والعوامل التي تزيد خطر اضطراب نظم القلب.

من الأكثر احتياجًا للمراقبة؟

تزداد أهمية المتابعة لدى الرجال الأكبر سنًا، ومن لديهم تاريخ من أمراض القلب أو الرجفان الأذيني، وكذلك مرضى ارتفاع ضغط الدم والسكري والسمنة وانقطاع التنفس أثناء النوم.

فهذه العوامل نفسها قد ترفع خطر الرجفان الأذيني، وبالتالي يصبح من الصعب فصل تأثير التستوستيرون عنها إذا لم تُضبط جيدًا.

ما الذي يجب مراقبته أثناء العلاج؟

لا تقتصر المتابعة على مستوى التستوستيرون نفسه.

يحتاج الطبيب عادة إلى متابعة مؤشرات أخرى مثل الهيماتوكريت وضغط الدم، إلى جانب الحالة القلبية العامة، والانتباه إلى ظهور خفقان جديد أو عدم انتظام ضربات القلب أو دوخة أو ضيق تنفس.

وقد يطلب الطبيب تخطيطًا للقلب أو فحوصًا إضافية إذا ظهرت أعراض تستدعي ذلك.

هل الشكل «U» قاعدة مؤكدة؟

ليس بعد.

ويشدد مؤلفو المراجعة على أن منحنى حرف U هو تصور مبني على تجميع نتائج عدة دراسات، وليس ناتجًا عن تجربة واحدة أثبتت نقطة خطر محددة يمكن تطبيقها على جميع الرجال.

لذلك ما زالت هناك حاجة إلى دراسات مستقبلية تجعل الرجفان الأذيني نفسه هدفًا أساسيًا للبحث، وتحدد بدقة ما إذا كانت هناك بالفعل «منطقة مثالية» لمستويات التستوستيرون تقل فيها الخطورة.

الخلاصة

الأبحاث الحديثة لا تقول إن التستوستيرون سيئ للقلب، ولا إن علاجه يجب تجنبه.

لكنها تقدم رسالة أكثر دقة: النقص الشديد قد لا يكون جيدًا، والارتفاع الزائد قد لا يكون جيدًا أيضًا.

والأفضل، وفق الاتجاه الجديد للأدلة، هو تصحيح النقص لدى من يحتاجون بالفعل للعلاج، مع تجنب الجرعات غير الضرورية أو الوصول إلى مستويات أعلى من المطلوب، ومراقبة القلب وعوامل الخطورة المصاحبة.

ففي علاج التستوستيرون، يبدو أن الهدف لم يعد «كلما ارتفع كان أفضل»، وإنما الوصول إلى المستوى المناسب للمريض والحفاظ عليه تحت إشراف طبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top