باحثون يطورون «عاثيات» قادرة على مهاجمة البكتيريا
في خطوة علمية قد تغير مستقبل المواجهة مع البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، استخدم باحثون في الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي التوليدي لتصميم فيروسات متخصصة قادرة على استهداف البكتيريا وقتلها، في تجربة تفتح آفاقًا جديدة أمام تطوير علاجات للبكتيريا التي أصبحت الأدوية التقليدية أقل قدرة على مواجهتها.
التجربة لا تعني أن العلماء صنعوا «فيروسات لمهاجمة البشر»، وإنما اعتمدوا على “العاثيات البكتيرية Bacteriophages “، وهي فيروسات تستهدف البكتيريا، وليس الخلايا البشرية.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في فهم طبيعة البحث، في ظل ما قد يثيره تعبير «فيروسات مصممة بالذكاء الاصطناعي» من مخاوف لدى الجمهور.
«Evo 2» يدخل عالم تصميم الفيروسات
اعتمد الباحثون على نموذج الذكاء الاصطناعي “Evo 2″، المصمم للتعامل مع المعلومات البيولوجية والتسلسلات الجينية، والقادر على توليد تسلسلات جديدة من الحمض النووي DNA.
وبدلًا من اقتصار دور الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات البيولوجية الموجودة بالفعل، استخدمه العلماء للمساعدة في “تصميم تسلسلات وراثية لعاثيات جديدة”.
وتمكن الباحثون من إنتاج مجموعة من العاثيات المرشحة واختبار قدرتها على مواجهة البكتيريا داخل المختبر.
وكانت النتيجة الأكثر لفتًا للانتباه هي نجاح مزيج يضم”16 عاثية مصممة” في القضاء سريعًا على سلالات من بكتيريا”E. coli” كانت قد أظهرت بالفعل مقاومة للعاثيات الطبيعية.
وتعد بكتيريا E. coli مجموعة واسعة من البكتيريا، بعض سلالاتها يمكن أن تسبب أمراضًا والتهابات، كما تشكل مقاومة بعض البكتيريا للعلاجات المتاحة تحديًا متزايدًا أمام الأنظمة الصحية.
لماذا تعتبر التجربة مهمة؟
تكمن أهمية البحث في واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه الطب الحديث: “مقاومة مضادات الميكروبات”.
فالاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية والإفراط فيها يساعدان على زيادة الضغوط الانتقائية التي تسمح للبكتيريا المقاومة بالبقاء والانتشار، ما يؤدي تدريجيًا إلى فقدان بعض المضادات الحيوية فعاليتها.
وفي هذه الحالة قد تصبح عدوى كان علاجها ممكنًا في السابق أكثر صعوبة وخطورة.
ومن هنا عاد الاهتمام عالميًا بالعلاج بالعاثيات باعتباره أحد المسارات البحثية الممكنة لمواجهة بعض أنواع العدوى البكتيرية المقاومة.
لكن البكتيريا تستطيع هي الأخرى تطوير مقاومة ضد العاثيات.
وهنا تظهر الفكرة التي اختبرها الباحثون: بدلًا من استخدام عاثية واحدة، لماذا لا يُستخدم مزيج من عاثيات مختلفة وراثيًا لمهاجمة البكتيريا في الوقت نفسه؟
اقرأ ايضًا: فيروس سي في مصر.. كيف حققت الدولة إنجازًا عالميًا في القضاء على المرض؟
“كوكتيل” يصعب على البكتيريا مقاومته
وأوضح برايان هي، المهندس الكيميائي في جامعة ستانفورد وأحد المشاركين في البحث، أن اكتساب البكتيريا مقاومة لعاثية واحدة قد يؤدي إلى فقدان العلاج فعاليته.
لكن وجود عدة عاثيات مختلفة وراثيًا داخل مزيج علاجي واحد قد يجعل تطوير البكتيريا مقاومة للمزيج بأكمله أكثر صعوبة.
وإذا أثبت هذا النهج فعاليته وسلامته في مراحل بحثية لاحقة، فقد يفتح المجال أمام تصميم مجموعات من العاثيات تستهدف أنواعًا معينة من البكتيريا بدلًا من الاعتماد على حلول موحدة.
ويطرح الباحثون إمكانية استكشاف النهج مستقبلًا ضد مسببات بكتيرية أخرى مهمة طبيًا، بما فيها البكتيريا المرتبطة بعدوى المستشفيات.
لكن الطريق من تجربة مخبرية ناجحة إلى علاج يستخدم مع المرضى يظل طويلًا، ويتطلب اختبارات سلامة وفعالية ودراسات قبل سريرية وسريرية وضوابط تنظيمية صارمة.
الوجه الآخر للاكتشاف.. الأمن الحيوي
ورغم الإمكانات الطبية الكبيرة، يفتح البحث بابًا أكثر حساسية يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الأنظمة البيولوجية.
فكلما ازدادت قدرة النماذج على فهم الشفرة الوراثية واقتراح أو تصميم تسلسلات بيولوجية جديدة، ظهر سؤال أساسي:
هل يمكن استخدام التكنولوجيا نفسها بصورة ضارة؟
ويزداد النقاش أهمية مع إتاحة بعض أدوات الذكاء الاصطناعي البيولوجي بصورة مفتوحة للباحثين والمطورين.
وقد أقر الباحثون بأن الوصول المفتوح إلى هذه الأدوات يثير أسئلة تتعلق بالسلامة واحتمالات إساءة الاستخدام، خصوصًا إذا جرى تعديل الأنظمة أو استخدامها خارج الأطر البحثية المسؤولة.
مخاوف من الاستخدام المزدوج
ويشير متخصصون إلى ما يعرف بمشكلة «الاستخدام المزدوج»؛ أي أن التكنولوجيا نفسها التي يمكن أن تساعد في تطوير علاج أو لقاح أو وسيلة لمكافحة العدوى قد تحمل مخاطر إذا استخدمت لأغراض ضارة.
وقال سايمون كلارك، الأستاذ المشارك في علم الأحياء الدقيقة الخلوية بجامعة ريدينغ، والذي لم يشارك في الدراسة، إن مثل هذه الأبحاث تطرح بالفعل قضايا تنظيمية وسلامة مهمة.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن مسببات الأمراض الموجودة في الطبيعة تمثل حاليًا خطرًا أكثر مباشرة، نظرًا إلى سهولة الوصول إلى بعضها مقارنة بتصميم عوامل بيولوجية جديدة من البداية.
هل يمكن بناء «الأمان» داخل التصميم؟
في المقابل، يرى باحثون أن الذكاء الاصطناعي قد لا يكون مصدرًا للمخاطر فقط، بل يمكن أن يصبح أيضًا جزءًا من منظومة الحماية.
فإذا أمكن دمج اختبارات السلامة والقيود البيولوجية داخل مراحل التصميم نفسها، فقد يصبح من الممكن استبعاد بعض النتائج الخطرة قبل انتقالها من البيئة الرقمية إلى المختبر.
وهذا المفهوم قد يصبح أحد أهم محاور تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي البيولوجي خلال السنوات المقبلة: أن تتطور قدرة النظام على التصميم بالتوازي مع قدرته على اكتشاف المخاطر ومنعها.
كيف تعلم «Evo 2» لغة الـDNA؟
جرى تدريب Evo 2 على كميات ضخمة من التسلسلات الجينية الطبيعية، ما سمح للنموذج بتعلم الأنماط والعلاقات الموجودة داخل المادة الوراثية.
والفكرة تشبه – بصورة مبسطة – الطريقة التي تتعلم بها نماذج اللغة العلاقات بين الكلمات والجمل، لكن بدلًا من الكلمات يتعامل النموذج هنا مع لغة المادة الوراثية
وبعد تعلم هذه الأنماط، يستطيع النظام تحليل تسلسلات موجودة واقتراح تسلسلات جديدة وفق المهمة المطلوبة.
وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تساعد العلماء على قراءة البيولوجيا إلى أداة يمكن أن تساعدهم على تصميمها.

أين تبدأ حدود الاستخدام؟
هذا التحول يطرح تحديًا تنظيميًا عالميًا.
فالبيانات البيولوجية والجينومية أصبحت عنصرًا أساسيًا في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لكن العالم لا يمتلك حتى الآن إطارًا دوليًا موحدًا يحكم بالتفصيل ما ينبغي إتاحته من البيانات عالية الخطورة وما يجب تقييده.
وكان فريق Evo 2 قد أعلن عند إطلاق النموذج في فبراير 2025 استبعاد مسببات الأمراض التي تصيب البشر والكائنات المعقدة الأخرى من بيانات التدريب، ضمن إجراءات تهدف إلى تقليل مخاطر إساءة استخدام النظام.
كما دعا أكثر من 100 باحث، في رسالة مفتوحة، إلى تطوير قواعد أكثر وضوحًا لحوكمة البيانات البيولوجية في عصر الذكاء الاصطناعي، محذرين من أن نسبة صغيرة من البيانات عالية الخطورة قد تصبح ذات أهمية كبيرة للأمن الحيوي إذا أسيء استخدامها.
بين علاج «البكتيريا الخارقة» ومخاطر التكنولوجيا
تكشف التجربة عن مفارقة ستواجه الطب خلال السنوات المقبلة.
فالذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن يساعد العلماء على تصميم عاثيات لمواجهة بكتيريا استعصت على بعض العلاجات التقليدية، هو نفسه تكنولوجيا تتطلب ضوابط قوية كلما ازدادت قدرتها على تصميم أنظمة بيولوجية جديدة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم البيولوجيا؟
فهذا المسار بدأ بالفعل.
السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يمكن الاستفادة من قدرته على ابتكار علاجات جديدة، مع بناء منظومة أمان تواكب السرعة التي تتطور بها التكنولوجيا؟
وفي ظل التصاعد العالمي لمقاومة مضادات الميكروبات، قد تصبح الإجابة عن هذا السؤال جزءًا أساسيًا من مستقبل الطب والأمن الصحي معًا.



