الزيادة السكانية.. التحدي الأخطر أمام التنمية في الجمهورية الجديدة

الدكتور عمرو حسن، مستشار وزير الصحة والسكان لشؤون السكان وتنمية الأسرة،

الدولة تستهدف خفض الزيادة إلى 400 ألف نسمة سنويًا ضمن مشروع قومي لبناء الإنسان

حوار:عمر الإمام

تمثل الزيادة السكانية أحد أخطر التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدولة المصرية، لما تفرضه من ضغوط متزايدة على جهود التنمية الشاملة، وعلى الموارد الطبيعية والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والإسكان وفرص العمل. وقد اعتبر المفكر الراحل الدكتور جمال حمدان أن المشكلة السكانية هي “المشكلة الأم” في مصر، إذ تقف خلف معظم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، مشددًا على أنه “لا حل لمشكلات مصر دون البدء بحل مشكلة السكان”.

قضية وطن ومصير

لم تعد الزيادة السكانية مجرد قضية رقمية، بل تحولت إلى قضية أمن قومي تمس حاضر الدولة ومستقبل أجيالها. فمعدلات النمو السكاني المرتفعة تؤدي إلى تآكل ثمار التنمية، مهما بلغت معدلات النمو الاقتصادي، وتحد من قدرة الدولة على تحسين مستوى معيشة المواطنين.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور عمرو حسن، مستشار وزير الصحة والسكان لشؤون السكان وتنمية الأسرة، أن الدولة المصرية تعاملت مع القضية باعتبارها أولوية قصوى، وهو ما تجسد في دستور 2014، الذي نص في المادة (41) على التزام الدولة بتنفيذ برنامج سكاني يحقق التوازن بين معدلات النمو السكاني والموارد المتاحة، مع تعظيم الاستثمار في رأس المال البشري.

السكان.. قوة مشروطة

وأوضح مستشار الوزير أن السكان يمثلون أحد عناصر القوة الشاملة للدولة، لكن هذه القوة تظل “مشروطة” بقدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الزيادة السكانية، وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية بالجودة المطلوبة، وعدم التأثير سلبًا على نصيب الفرد من الموارد الطبيعية، خاصة المياه والطاقة والأراضي الزراعية.

وأشار إلى أن التجارب الدولية تؤكد أن التقدم الحقيقي لا يُقاس بعدد السكان، وإنما بمستوى التنمية البشرية، وجودة التعليم، ومهارات الأفراد، وقدرتهم على الإسهام الإيجابي في المجتمع.

أرقام تكشف حجم التحدي

تشير التقارير السكانية إلى أن مصر شهدت زيادة سكانية كبيرة خلال العقد الأخير، ما تسبب في ضغط شديد على الموارد المحدودة، خاصة في ظل تمركز الغالبية العظمى من السكان في شريط ضيق من الأرض. كما أن ارتفاع معدلات الخصوبة في بعض الفترات، وتراجع استخدام وسائل تنظيم الأسرة، ساهما في تفاقم المشكلة، لا سيما في محافظات صعيد مصر.

وتُظهر نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية أن نسبة كبيرة من السيدات المتزوجات معرضات للإنجاب في ظروف صحية عالية الخطورة، نتيجة عوامل مثل الترتيب المرتفع للمولود أو التقدم في العمر عند الإنجاب، وهو ما ينعكس سلبًا على صحة الأم والطفل معًا.

تحسن نسبي وفجوات قائمة

رغم التحسن الملحوظ في مؤشرات استخدام وسائل تنظيم الأسرة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الحاجة غير الملباة ما زالت قائمة في عدد من المحافظات الأكثر احتياجًا، وهو ما يعكس ضرورة تكثيف الجهود التوعوية وتوسيع نطاق الخدمات، خاصة في المناطق الريفية والفقيرة.

سيناريوهات المستقبل

تؤكد الإسقاطات السكانية أن خفض معدل الإنجاب هو العامل الحاسم في السيطرة على النمو السكاني. فكل انخفاض في معدل الخصوبة ينعكس مباشرة على عدد السكان المتوقع خلال العقود المقبلة، ويمنح الدولة فرصة أكبر لتعظيم الاستفادة من ثمار التنمية، وتحسين نصيب الفرد من الخدمات.

إرادة سياسية ومشروع قومي

تحظى القضية السكانية بدعم سياسي غير مسبوق، حيث يضع الرئيس عبد الفتاح السيسي ملف الزيادة السكانية ضمن أولويات الدولة منذ توليه المسؤولية، مستهدفًا خفض الزيادة السنوية إلى نحو 400 ألف نسمة، وهو هدف طموح من شأنه إحداث نقلة نوعية في مسار التنمية.

وفي هذا الإطار، أطلقت الدولة المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية، بالتكامل مع مبادرة «حياة كريمة»، مستهدفًا القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، من خلال حزمة متكاملة من التدخلات الصحية، والتعليمية، والاقتصادية، والتوعوية.

نحو تنمية مستدامة وبناء الإنسان

تؤكد الدولة أن مواجهة الزيادة السكانية لا تنفصل عن تحسين جودة حياة المواطن، وبناء إنسان قادر على الإنتاج والمشاركة في التنمية. فخفض معدلات النمو السكاني يسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليص الفجوات التنموية بين المحافظات، وإعادة رسم الخريطة السكانية بما يخدم أهداف الأمن القومي.

وتبقى المعركة ضد الزيادة السكانية معركة وعي في المقام الأول، تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع، من أجل مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، يليق بطموحات «الجمهورية الجديدة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top