الصحة الجنسية جزء من الصحة العامة.. ما لا نجرؤ على الحديث عنه

الصحة الجنسية جزء من الصحة العامة.. ما لا نجرؤ على الحديث عنه

بين التثقيف والعلاج.. لماذا يجب أن نكسر الصمت حول “صحتنا الحميمة”؟

رغم أن الصحة الجنسية تمثل أحد أركان الصحة العامة وجودة الحياة، فإنها لا تزال من أكثر الموضوعات التي يحاط الحديث عنها بالحرج في مجتمعاتنا.

لكن الحقيقة أن تجاهلها لا يلغيها، بل يزيد من معاناة ملايين الرجال والنساء، الذين يواجهون مشكلات يمكن علاجها بسهولة إذا توفرت المعرفة والجرأة في طلب المساعدة.

الصحة الجنسية.. مفهوم أوسع من “العلاقة”

تُعرّف منظمة الصحة العالمية الصحة الجنسية بأنها “حالة من السلامة الجسدية والنفسية والاجتماعية في جميع جوانب الحياة الجنسية، لا مجرد غياب المرض أو العجز”.

أي أنها تشمل التوازن الهرموني، والصحة النفسية، والعلاقات السليمة المبنية على الاحترام والرضا المتبادل.

ويؤكد الأطباء أن اضطرابات مثل ضعف الرغبة، أو الألم أثناء العلاقة، أو العقم، أو الاضطرابات الهرمونية، ليست “عيبًا” بل أعراض تحتاج لتقييم طبي شامل يشمل الجسد والنفس معًا.

The doctor’s hands hold a sectional model of the female reproductive organs, close-up. Training in gynecology and obstetrics

الصمت يؤذي أكثر من المرض

تشير دراسات علمية حديثة (2024 – منظمة الصحة العالمية) إلى أن أكثر من 60% من الأزواج في الشرق الأوسط لا يناقشون قضاياهم الجنسية مع أطبائهم، وأن أكثر من نصفهم يعتمدون على معلومات مغلوطة من الإنترنت أو الأصدقاء.

ويؤدي هذا التجاهل إلى تفاقم المشكلات النفسية والاكتئاب واضطرابات العلاقات الزوجية، إضافة إلى ارتفاع نسب الطلاق المرتبطة بعدم التوافق أو الخلل الوظيفي الجنسي.

فالصحة الجنسية ليست رفاهية، بل مكون رئيسي من توازن الإنسان الجسدي والنفسي، مثل ضغط الدم أو القلب تمامًا.”

بين الطب النفسي والغدد الصماء.. المشكلة متعددة الأبعاد

الصحة الجنسية لا تخص التخصصات “الحرجة” فقط، بل تتقاطع مع مجالات الطب النفسي، والغدد الصماء، والأمراض المزمنة.

فالأمراض مثل السكري، الضغط، أمراض القلب، والاكتئاب، كلها تؤثر في القدرة الجنسية أو الرغبة.

وتشير الاحصائيات إلى أن واحدًا من كل ثلاثة رجال مصابين بالسكري يعانون اضطرابات في الانتصاب، وغالبًا ما تكون هي المؤشر الأول لخلل الأوعية الدموية أو الأعصاب.

المرأة.. الغائب الأكبر عن الفحص والعلاج

تظل المرأة، وفق الإحصاءات، الطرف الأكثر تهميشًا في الرعاية الجنسية.

ففي دراسة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للسكان عام 2023، تبين أن 80% من النساء في الشرق الأوسط لم يتلقين أي استشارة طبية تتعلق بالصحة الجنسية أو الإنجابية بعد الزواج

والكثير من المشكلات مثل جفاف المهبل، ضعف الرغبة، أو الألم أثناء العلاقة، يمكن علاجها دوائيًا أو نفسيًا، لكن الخجل يحول دون طلب المساعدة، مما يخلق دائرة من الألم والصمت.

التثقيف.. البداية الحقيقية للتغيير

الصحة الجنسية تبدأ من التثقيف العلمي المبكر وليس من العيادة فقط.

فبرامج التوعية في المدارس والجامعات، ومبادرات وزارة الصحة مثل مبادرة 100 مليون صحة للمرأة المصرية، تسعى لرفع الوعي بمفهوم “الوقاية من العدوى المنقولة جنسيًا” و“الاهتمام بالصحة الإنجابية والنفسية معًا”.

كما تُعد الخطوة القادمة – بحسب خبراء – هي دمج التثقيف الجنسي في برامج التوعية الأسرية بما يضمن احترام القيم المجتمعية والدينية دون تجاهل الجانب العلمي.

Man holding a pill used for Pre-Exposure Prophylaxis (PrEP) to prevent HIV infection

الإنترنت بين المعرفة والمغالطات

بينما يُفترض أن الإنترنت مصدر للمعلومات، أصبح أيضًا ساحة للفوضى.

فهناك مئات الصفحات التي تبيع “مقويات” و“أدوية سحرية” مجهولة المصدر، وتروّج لمفاهيم خاطئة عن الأداء والعلاقة. ويحذر الأطباء من أن المكملات الجنسية المنتشرة إلكترونيًا مغشوشة في أكثر من 40% من الحالات، وبعضها قد يسبب أزمات قلبية أو فشلًا كلويًا.

الصحة الجنسية.. مسؤولية ووعي

الصحة الجنسية ليست شأنًا خاصًا فقط، بل قضية صحة عامة تؤثر على الاستقرار الأسري والمجتمعي والاقتصادي.

الجرأة في طلب المساعدة لا تعني تجاوز القيم، بل احترام الجسد والعقل والحق في حياة صحية متكاملة.

فالتثقيف والعلاج والاحترام المتبادل هي مفاتيح التوازن، لأن السكوت عن الألم لا يعني الشفاء، بل إخفاء أزمة تحتاج إلى شجاعة في مواجهتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top