الصحة العالمية تحذر..موجة الحر الاوروبية بروفة لما هو قادم

تقرير : بوابة مصر الصحية

لم تعد موجات الحر الشديدة في أوروبا حدثًا استثنائيًا أو ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت، وفقًا لتحذيرات منظمة الصحة العالمية، “بروفة لما هو أشد” في العقود المقبلة، مع تسارع وتيرة التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة العالمية. فالموجة الحارة التي تضرب أوروبا حاليًا، والتي حطمت أرقامًا قياسية في عدد من الدول، كشفت حجم التحديات الصحية والاقتصادية والاجتماعية التي قد تواجه العالم إذا استمرت معدلات الاحترار الحالية. 

أوروبا.. القارة الأسرع احترارًا في العالم

تؤكد تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع احترارًا على مستوى العالم، إذ ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدل يزيد بنحو الضعف عن المتوسط العالمي. وشهد عام 2025 موجات حر غير مسبوقة امتدت من البحر المتوسط حتى الدائرة القطبية الشمالية، مع تسجيل درجات حرارة تجاوزت 30 درجة مئوية داخل المناطق القطبية لأسابيع متواصلة. 

وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن ما نشهده حاليًا ليس سوى “تدريب واقعي” على مستقبل أكثر قسوة، حيث ستصبح موجات الحر الشديدة أكثر تكرارًا وأطول مدة وأكثر فتكًا بالبشر. 

اقرأ ايضًا: الشيخوخة.. السر الديموجرافي وراء ارتفاع الوفيات في موجة الحر الأوروبية

200 ألف وفاة خلال 4 سنوات

وفقًا لبيانات المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لأوروبا، تسببت موجات الحر في وفاة أكثر من 200 ألف شخص في أوروبا خلال السنوات الأربع الماضية فقط، مؤكدة أن معظم هذه الوفيات كان يمكن تجنبها من خلال أنظمة إنذار مبكر وخطط صحية فعالة للتعامل مع الحرارة المرتفعة. 

كما تشير تقديرات المنظمة إلى أن:

* 60 ألف شخص توفوا بسبب الحرارة خلال صيف 2022.

* 47.5 ألف وفاة سُجلت خلال صيف 2023.

* وإذا لم تُتخذ إجراءات تكيف إضافية، فقد يصل عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة إلى 120 ألف وفاة سنويًا بحلول عام 2050 في أوروبا وحدها. 

الصحة العالمية تحذر..موجة الحر الاوروبية بروفة لما هو قادم

موجة 2026.. أكثر من 1300 وفاة خلال أيام

خلال موجة الحر الحالية التي اجتاحت أوروبا في يونيو ويوليو 2026، أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل أكثر من 1300 وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة خلال أيام قليلة فقط، بينما شهدت فرنسا وحدها نحو ألف وفاة زائدة خلال فترة لا تتجاوز عشرة أيام، فيما تجاوز عدد المتأثرين بدرجات حرارة أعلى من 35 درجة مئوية نحو 191 مليون شخص. 

وفي إسبانيا، تم تسجيل أكثر من 1000 وفاة مرتبطة بالحرارة خلال شهر يونيو فقط، مع تحذيرات من موجات أشد خلال الأسابيع المقبلة. 

“القاتل الصامت”

تصف منظمة الصحة العالمية موجات الحر بأنها “القاتل الصامت”، لأنها لا تؤدي فقط إلى ضربات الشمس المباشرة، وإنما تتسبب أيضًا في تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية، والسكتات الدماغية، وأمراض الجهاز التنفسي، والسكري، والاضطرابات النفسية، خاصة لدى كبار السن والأطفال والمرضى المزمنين. 

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن:

* 85% من الوفيات المرتبطة بالحرارة تحدث بين الأشخاص فوق 65 عامًا.

* ارتفاع درجات الحرارة ليلًا يمثل عامل خطر إضافيًا، إذ يمنع الجسم من التعافي الفسيولوجي.

* المدن الكبرى تُعد الأكثر عرضة للخطر بسبب ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”. 

تغير المناخ مسؤول عن معظم الوفيات

في واحدة من أكبر الدراسات الأوروبية الحديثة، والتي أجراها باحثون من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي وكلية إمبريال لندن، تبين أن 68% من الوفيات المرتبطة بموجات الحر في أوروبا خلال صيف 2025 كانت مرتبطة بشكل مباشر بالتغير المناخي الناتج عن النشاط البشري. 

وقدرت الدراسة أن:

* التغير المناخي تسبب في 16.5 ألف وفاة إضافية خلال صيف واحد فقط.

* سجلت إيطاليا وحدها أكثر من 4500 وفاة مرتبطة بالحرارة.

* بينما سجلت إسبانيا نحو 2800 وفاة، وفرنسا 1400 وفاة، وألمانيا نحو 1500 وفاة. 

خسائر اقتصادية بمليارات اليوروهات

لم تقتصر تداعيات موجات الحر على القطاع الصحي، بل امتدت إلى الاقتصاد والبنية التحتية والطاقة، حيث تشير التقديرات الأوروبية إلى أن موجات الحر كلفت الاقتصاد الأوروبي نحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025 فقط، نتيجة انخفاض الإنتاجية، وارتفاع استهلاك الطاقة، وتعطل وسائل النقل، وزيادة الإنفاق الصحي. 

أوروبا ليست مستعدة بالكامل

رغم أن أوروبا تمتلك بعضًا من أكثر الأنظمة الصحية تقدمًا في العالم، فإن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن المنازل والمدارس وأماكن العمل الأوروبية لم تُصمم للتعامل مع درجات الحرارة الحالية، فضلًا عن أن موجات الحر أصبحت تتكرر بوتيرة أسرع من قدرة الأنظمة على التكيف معها. 

ولهذا دعت المنظمة إلى:

* تطوير خطط وطنية للصحة والحرارة.

* إنشاء أنظمة إنذار مبكر.

* توسيع المساحات الخضراء داخل المدن.

* توفير مراكز تبريد للفئات الأكثر عرضة للخطر.

* إعادة تصميم بيئات العمل والتعليم لتتلاءم مع المناخ الجديد. 

مستقبل أكثر سخونة

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن نحو نصف سكان أوروبا قد يتعرضون لمخاطر عالية أو شديدة جدًا من الإجهاد الحراري بحلول عام 2050، ما يجعل موجات الحر واحدة من أكبر تحديات الصحة العامة خلال العقود المقبلة. 

الخلاصة

رسالة منظمة الصحة العالمية تبدو واضحة: موجة الحر الحالية ليست استثناءً، بل مقدمة لمستقبل أكثر سخونة وخطورة. وإذا لم تتسارع جهود التكيف المناخي والصحي، فقد تتحول موجات الحر من ظاهرة موسمية إلى واحدة من أخطر الأزمات الصحية التي تواجه البشرية خلال القرن الحادي والعشرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top