الكذب القهري والاكتئاب وصدمات الطفولة… ولماذا يصبح المرض النفسي خطرًا على من حوله
في مسلسل «ميدتيرم»، لا يبدأ الخطر بسكينٍ أو جريمة واضحة، بل بـ”تفصيلة” تبدو مألوفة لجيلٍ يعيش على الهاتف: تطبيقٌ يبتلع الأسرار، ثم يجرّ أصحابه إلى دوامة يتداخل فيها الواقع بالذكاء الاصطناعي، وتبدأ العلاقات في التفكك تحت ضغط الامتحانات والفضائح والخوف،
ولأن الصحة النفسية لم تعد هامشًا في حياة الشباب، بل صارت جزءًا من المشهد اليومي، فما يطرحه المسلسل عن الكذب، الاكتئاب، وصدمات الطفولة، لا يخص مجتمعًا بعينه، بل يعكس أزمة عالمية تتسع بصمت، وتُعد اليوم واحدة من أخطر تحديات الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين.
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يعيش أكثر من مليار شخص حول العالم مع شكل من أشكال الاضطرابات النفسية، أي ما يعادل شخصًا من كل 8 أشخاص على كوكب الأرض. هذا الرقم لا يشمل فقط الحالات الشديدة، بل طيفًا واسعًا من الاكتئاب، القلق، اضطرابات السلوك، واضطرابات الشخصية.
اقرأ ايضاً: المرض النفسي: “شخص من كل 7” لا يعيش حياته طبيعيًا
اقرأ ايضاً: القلق… الوباء الصامت في حياة المصريين

الاكتئاب: المرض الأكثر انتشارًا عالميًا
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن الاكتئاب يصيب نحو 280 مليون شخص عالميًا، وهو السبب الأول للإعاقة النفسية في العالم، وأحد أهم العوامل المرتبطة بالانتحار، الذي يحصد ما يقرب من 700 ألف شخص سنويًا.
الأخطر أن الاكتئاب لا يظهر دائمًا في صورة انهيار واضح، بل قد يتخفّى خلف:
• نجاح دراسي أو مهني
• علاقات اجتماعية “طبيعية”
• أداء يومي يبدو مستقرًا
وهو ما يجعل كثيرًا من المرضى لا يصلون للعلاج إلا بعد تفاقم الأعراض.
الكذب المرضي واضطرابات السلوك: أرقام أقل… وخطورة أكبر
لا توجد إحصاءات دقيقة للكذب القهري باعتباره تشخيصًا مستقلًا، لكنه يظهر عالميًا كعرض مرتبط باضطرابات مثل:
• اضطرابات الشخصية (خاصة الحدّية والمعادية للمجتمع)
• الاكتئاب الشديد
• اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)
وتشير دراسات نفسية أوروبية وأمريكية إلى أن ما بين 1–3% من السكان قد يُظهرون أنماط كذب مرضي متكررة تؤثر على حياتهم وعلاقاتهم، وهي نسبة تبدو محدودة رقميًا، لكنها عالية الخطورة سلوكيًا، خصوصًا حين تقترن بالاكتئاب أو الاندفاع أو فقدان التعاطف.
صدمات الطفولة
تؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن أكثر من مليار طفل حول العالم يتعرضون سنويًا لشكل من أشكال العنف أو الإهمال أو الصدمة النفسية.
الدراسات الطولية تثبت أن الأطفال الذين تعرضوا لصدمات مبكرة:
• ترتفع لديهم احتمالات الإصابة بالاكتئاب بنسبة تصل إلى 2–3 أضعاف
• تزيد لديهم معدلات السلوكيات الخطرة، والكذب المرضي، وتعاطي المخدرات
• يكونون أكثر عرضة لإيذاء الذات أو الآخرين إذا غاب التدخل المبكر
بمعنى آخر: كثير من “المشاكل السلوكية” لدى الشباب هي في الحقيقة ذكريات مؤلمة لم تُعالَج.

الشباب في مرمى الخطر عالميًا
بحسب تقارير الأمم المتحدة:
• 75% من الاضطرابات النفسية تبدأ قبل سن 25 عامًا
• الجامعات تُعد من أكثر البيئات ضغطًا نفسيًا على الشباب عالميًا
• وسائل التواصل الاجتماعي زادت معدلات القلق والاكتئاب بين المراهقين بنسبة تتراوح بين 20 و40% خلال العقد الأخير
وهذا يفسر لماذا تدور دراما مثل «ميدتيرم» داخل حرم جامعي، حيث تتقاطع:
الضغط الدراسي × الخوف الاجتماعي × الصدمات القديمة × العالم الرقمي
المرض النفسي… خطر حين يُترك بلا علاج
تشدد منظمة الصحة العالمية على أن إهمال علاج الاضطرابات النفسية لا يؤدي فقط إلى تدهور حالة المريض، بل قد ينعكس في:
• اندفاع خطير
• قرارات مؤذية للذات أو للآخرين
• انهيار اجتماعي أو مهني مفاجئ
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
الإنسان قد يبدو طبيعيًا… بينما يعيش مع مرض غير مرئي.
الكذب الإرادي أم “الكذب القهري”؟ حين تصبح الحكاية عادة… ثم إدمانًا
في الوعي الشعبي، الكذب “قرار أخلاقي”. لكن في الطب النفسي الصورة أكثر تعقيدًا: هناك حالات يُطلق عليها في الأدبيات وصف الكذب المرضي/القهري (Pathological lying) أو ما يُعرف أحيانًا بـ Pseudologia Fantastica؛ وهي ليست تشخيصًا مستقلًا في التصنيفات الكبرى بقدر ما هي نمط سلوكي قد يظهر ضمن اضطرابات أخرى، أو كآلية دفاع في مواجهة خوفٍ عميق أو صدمة قديمة.
المؤلم هنا أن الكذب قد يتحول من محاولة للهروب إلى “أسلوب حياة” يبتلع صاحبه. يبدأ بكذبة صغيرة لتجنب عقاب أو إحراج، ثم يكبر لأنه ينجح مرة… ثم يصبح ضروريًا لبناء صورة جديدة عن الذات: “أنا الأقوى”، “أنا الأذكى”، “أنا الضحية دائمًا”. وفي لحظة ما، لا يعود السؤال: لماذا يكذب؟ بل: ماذا سيحدث إذا قال الحقيقة؟
كيف يتقاطع الكذب القهري مع الاكتئاب؟
الاكتئاب ليس حزنًا عابرًا. هو اضطراب قد يضرب النوم والتركيز والشهية والطاقة، ويشوّه نظرة الشخص لنفسه وللعالم. منظمة الصحة العالمية تُقدّر أن الاكتئاب يصيب نحو 280 مليون شخص عالميًا.
في هذا المناخ الداخلي، قد يستخدم البعض الكذب كقناع لتجنب الانكشاف: يختلقون إنجازات لأنهم يشعرون بالفراغ، أو يختلقون قصصًا لأن الحقيقة ثقيلة، أو يراوغون لأنهم لا يملكون لغة يشرحون بها ألمهم.
“شكله طبيعي”… أخطر جملة في ملف الصحة النفسية
الاضطرابات النفسية لا تلبس زيًّا موحدًا. كثيرون يبتسمون في الصور، يحضرون المحاضرات، ينجزون في العمل، ثم ينهارون وحدهم في البيت. هذه هي “خدعة الأداء”: أن تبدو بخير لأنك تعلمت التمثيل، لا لأنك بخير فعلًا.
وهنا تتضاعف الأزمة بسبب الوصمة: الناس تخاف من لقب “مريض نفسي”، فتؤجل العلاج إلى أن تتعقد الحالة. وفي الوقت نفسه، تتحول بعض السلوكيات إلى “محتوى” للسخرية بدل أن تكون فرصة إنقاذ.
حين يتحول العالم الرقمي إلى مُحفّز للمرض: من السر إلى الابتزاز إلى الانهيار
والمسلسل يضع اليد على فكرة حديثة جدًا: تسريب البيانات، اختراق العقول، ودوامة الأسئلة حول الواقع والذكاء الاصطناعي.
هذا ليس خيالًا بعيدًا عن حياتنا. الشباب اليوم يعيشون تحت ضغط دائم: صورة مثالية على السوشيال، مقارنة بلا توقف، خوف من الفضيحة، وتعرض شديد للتنمر الرقمي. في هذا المناخ، قد تصبح الأكاذيب أسهل من الحقيقة، وقد يصبح الانسحاب النفسي أسرع من المواجهة.
أرقام العالم: المرض النفسي ليس “حالة فردية”
حين نقول إن الصحة النفسية أزمة عالمية، فهذه ليست استعارة. منظمة الصحة العالمية تذكر أن اضطرابات القلق أيضًا واسعة الانتشار عالميًا.
وعندما تتقاطع اضطرابات القلق والاكتئاب مع ضغوط اجتماعية واقتصادية ورقمية، يصبح سؤال “ليه عمل كده؟” غير كافٍ وحده. السؤال الأدق: ماذا كان يحدث داخله منذ سنوات؟
كيف نميّز الإنذار المبكر؟ (بدون فزع… وبدون إنكار)
لا يوجد “علامة واحدة” تكفي للحكم، لكن هناك ملامح متكررة تستحق الانتباه إذا استمرت وأثرت على الحياة اليومية:
تغير واضح في النوم أو الشهية أو الطاقة، انعزال مفاجئ، تراجع حاد في الدراسة أو العمل، عصبية مفرطة أو انطفاء كامل، فقدان الاهتمام بما كان يسعده، أكاذيب متكررة بلا سبب منطقي واضح، قصص تتضخم بشكل لافت، أو شعور دائم بالاضطهاد والتهديد.
الأهم: إذا ظهرت إشارات إيذاء الذات أو تهديد الآخرين أو فقدان الاتصال بالواقع، فهذا طارئ طبي وليس “مرحلة”.
ماذا تفعل الأسرة؟ وكيف نمنع “السجن النفسي” داخل البيت؟
الخطأ الشائع أن الأسرة تتحرك بالعنف: تفتيش، فضيحة، تهديد، أو سحب الهاتف فقط. هذه حلول شكلية قد تزيد الخطر. الطريق الأكثر أمانًا يبدأ بثلاث خطوات:
أولًا، تحويل الاتهام إلى سؤال: “أنا قلق عليك… إيه اللي واجعك؟”
ثانيًا، طلب تقييم متخصص بدلًا من الاجتهاد: طبيب نفسي/أخصائي نفسي.
ثالثًا، بناء خطة علاجية واقعية: علاج نفسي، وقد يلزم علاج دوائي حسب التشخيص، مع متابعة منتظمة.
ولأن الإدمان أحيانًا يكون “هربًا” من ألم نفسي، ففكرة العلاج المتكامل (نفسية + إدمان إن وجد) ليست رفاهية، بل ضرورة.
الرسالة الأهم
ما بين القاهرة ولندن ونيويورك وطوكيو، تتشابه القصة:
شباب يضحكون في العلن، ويكذبون أحيانًا، وينهارون في السر.
الصحة النفسية ليست رفاهية، وليست ضعفًا، وليست “دلع جيل”، بل قضية عالمية تمس الأمن المجتمعي وجودة الحياة ومستقبل الأجيال.
وإذا كان «ميدتيرم» قد فتح الباب دراميًا، فالمجتمع عليه أن يفتحه طبيًا وإنسانيًا:
بالفهم… لا الوصم
وبالعلاج… لا التجاهل
وبالسؤال الصحيح:
كيف نُنقذ الإنسان قبل أن يتحول ألمه إلى خطر؟



