في ظل الانتشار السريع لأجهزة النيكوتين الحديثة بما فيها السجائر الإلكترونية والفيب وأكياس النيكوتين ومنتجات التسخين، تصعد الأدلة العلمية والتحذيرات الصحية من أن هذه المنتجات ليست “أخف ضررًا” كما يُشاع، بل تمثل تهديدًا حقيقيًا للصحة العامة، لا سيما بين الأطفال والمراهقين. ما كان يُنظر إليه قبل عقد من الزمن كبديل “آمن” للسجائر التقليدية، أصبح اليوم محور تحذيرات من منظمة الصحة العالمية وجمعيات القلب الأوروبية ومنتدى علماء الصحة العالميين، حول مخاطر النيكوتين والإدمان وتلف القلب والأوعية وحتى الدماغ.
اقرأ ايضاً: من السجائر إلى الفيب: وباء جديد يهدد جيلًا كاملًا
التحذير الدولي: لا يوجد نيكوتين آمن
أصدرت الجمعية الأوروبية لأمراض القلب تقريرًا مفصلًا يؤكد أن النيكوتين نفسه سام للقلب والأوعية الدموية بغض النظر عن طريقة استهلاكه سواء في السجائر الإلكترونية أو فيب أو أكياس النيكوتين أو الشيشة أو السجائر التقليدية. التقرير المنشور في European Heart Journal وضع حدًا لما أسماه التحليلات المضللة التي تصور بعض المنتجات كالبديل “الأقل ضررًا”. التقارير العلمية توضح أن النيكوتين يسبب ارتفاع ضغط الدم وتلف الأوعية الدموية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب حتى بدون وجود مواد الاحتراق والقطران الموجودة في السجائر التقليدية. من جانبها، لا تزال منظمة الصحة العالمية (WHO) تؤكد أن منتجات النيكوتين الإلكترونية عادةً ما تحتوي على مواد سامة بالإضافة إلى النيكوتين الذي يسبب الإدمان الشديد ويوجد أيضًا في منتجات يُعتقد أنها خالية منه، ما يقوض الاعتقاد السائد بأن البدائل الإلكترونية أقل ضررًا.

إدمان متزايد بين الشباب… والأرقام تتحدث
تشير البيانات الدولية الحديثة إلى أن استخدام السجائر الإلكترونية أصبح أكثر شيوعًا بين الشباب من التدخين التقليدي. في الولايات المتحدة، مثلاً، يقدَّر أن 7.8% من طلاب المرحلة الثانوية يستخدمون السجائر الإلكترونية بانتظام مقارنة بنسبة أقل ممن يدخنون التبغ التقليدي، وتظهر البيانات أن نسبة نيكوتين الفيب بين المراهقين كانت أعلى بكثير من السجائر العادية.
وفي المنطقة الأوروبية كذلك، تشير بيانات عالمية إلى أن نحو 14.3% من المراهقين بين 13 و15 سنة يستخدمون السجائر الإلكترونية، وهي النسبة الأعلى عالميًا لتعاطي منتجات نيكوتين بين هذه الفئة العمرية.
الدراسات تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من هؤلاء المستخدمين لم يكونوا مدخنين سابقين عندما بدأوا في استخدام السجائر الإلكترونية، ما يعني أن الفيب قد يكون بوابة جديدة للإدمان على النيكوتين وليس مجرد وسيلة للإقلاع عن التدخين.
التدخين لا يزال راسخًا… والفيب يتسرب
محليًا، تبقى مشكلة تعاطي التبغ إحدى القضايا الصحية الكبرى في مصر، حيث تشير تقديرات حديثة إلى أن نحو 24.9% من البالغين المصريين (15 عامًا فأكثر) ينخرطون في استخدام التبغ، بنسبة أعلى بين الرجال (بدون اختلاف بين السجائر التقليدية أو منتجات نيكوتين حديثة).
وبالرغم من قلة البيانات الرسمية الخاصة بالفيب وحده في مصر، فإن الدراسات العلمية التي تشمل طلاب الجامعات في المنطقة تشير إلى أن نسبة عالية من الشباب والمراهقيين والنساء يتجهون نحو استخدام منتجات النيكوتين الحديثة، وأن الاستخدام اليومي للفيب قد يكون مرتبطًا بالإدمان السلوكي ومدى الاعتماد عليه.
كما أن بيانات وطنية قديمة حول التدخين بين المراهقين تشير إلى أن نسبة كبيرة من الشباب المدخنين يستخدمون السجائر التقليدية والشيشة، بينما تشير نسبة المتبقيين إلى التدخين الإلكتروني وأشكال من منتجات التبغ غير التقليدية.
أثر النيكوتين على الصحة: ليس فقط الإدمان
الأخطار الصحية للنيكوتين ومنتجاته لا تقتصر على الإدمان وحده. الدراسات الحديثة أظهرت أن التعرض للنيكوتين ومنتجات الفيب يؤدي إلى تلف جدران الشرايين، ضعف في تدفق الدم، ومشكلات في القلب والأوعية الدموية مماثلة لمن يدخن التبغ التقليدي، ما يزيد من احتمالية الإصابة بأزمات قلبية وسكتات مخية.
بالإضافة إلى ذلك، تظهر الأبحاث أن النيكوتين يمكن أن يُقلِّل من تدفق الدم إلى اللثة ويزيد من التهابات الفم، فضلاً عن تأثيرات سلبية على الجهاز المناعي والرئتين، مما يجعله عامل خطر في تطور عدة أمراض مزمنة.

التدخين الإلكتروني للأطفال… الأزمة الأكبر
من أخطر ما كشفت عنه الدراسات الحديثة أن التدخين الإلكتروني يُؤثر على نمو الدماغ لدى المراهقين ويزيد من تعرضهم للنيكوتين قبل أن يكمل الدماغ مراحل تطوره الأساسية، ما قد يجعلهم أكثر عرضة للإدمان وتأثيرات سلوكية وصحية سلبية طويلة الأمد.
في بلدان عدة، أثبتت الدراسات أن السجائر الإلكترونية تؤثر على التركيز والتحصيل الدراسي لدى الأطفال والمراهقين، مما ينعكس سلبًا على مستقبلهم الأكاديمي والاجتماعي.
هذه النتائج الدراماتيكية دفعت منظمات الصحة العالمية إلى مطالبة الحكومات بتشديد الرقابة على تسويق منتجات النيكوتين، خاصة تلك ذات النكهات الجذابة التي تستهدف الشباب مثل الفواكه والحلوى.
الدليل العلمي: الفيب ليس علاج إقلاع
في حين ظهرت بعض الدراسات القديمة التي اقترحت أن السجائر الإلكترونية قد تساعد بعض البالغين على الإقلاع عن التبغ التقليدي، إلا أن الأدلة العلمية الحديثة ترى أن كثيرًا من المستخدمين لا يقلعون تمامًا، بل يتحولون إلى استخدام مزدوج (فيب + تبغ)، أو يصبحون مدمنين طويل الأمد على النيكوتين، مما يقوض أي فائدة صحية متوقعة.
الخبير الطبي ورسالة الوقاية
يرى خبراء الصحة العامة أن الانتشار السريع للنيكوتين الإلكتروني بين الأطفال والمراهقين يمثل أزمة صحية جديدة تحتاج إلى استجابة قوية من سياسات الصحة العامة. التحذيرات الدولية تجمع على أن تنظيم الإعلانات، حظر النكهات الجذابة، ورفع الوعي الصحي في المدارس والمجتمعات، جميعها أدوات ضرورية لوقف هذه الموجة قبل أن تتفاقم.
الخلاصة
بين الأدلة العلمية المتجددة وتحذيرات الهيئات الدولية، يتضح أن النيكوتين ليس “أقل ضررًا” عندما يُقدَّم في منتجات مبتكرة؛ بل إنه قوة مدمرة للصحة، قادرة على إحداث الإدمان وتلف القلب والأوعية والدماغ، خاصة لدى الشباب. ما كان يُروَّج له كبديل آمن بات اليوم أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العالم.



