لا يزال ختان الإناث، المعروف طبيًا باسم تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، أحد أخطر الانتهاكات الصحية والإنسانية التي تتعرض لها الفتيات والنساء حول العالم، رغم الإجماع الدولي على تجريمه واعتباره ممارسة ضارة لا تمت للصحة أو الدين بصلة. وفي السادس من فبراير من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث، بهدف تسليط الضوء على حجم الظاهرة، ومخاطرها الصحية والنفسية، وتعزيز الجهود الدولية والوطنية الرامية إلى القضاء عليها نهائيًا.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية ختان الإناث بأنه جميع الإجراءات التي تتضمن إزالة جزئية أو كلية للأعضاء التناسلية الخارجية للأنثى، أو إلحاق أذى بها لأسباب غير طبية، مؤكدة أن هذه الممارسة لا تحقق أي فائدة صحية، بل تمثل انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان وحقوق الطفل، وتعرض الفتيات لمضاعفات خطيرة على المدى القريب والبعيد.
اقرأ ايضًا: مؤسسة مصر ويونيسف و طب عين شمس يحيون اليوم العالمي لعدم التسامح مع تشويه الأعضاء التناسلية للإناث
وعلى المستوى العالمي، تشير التقديرات إلى أن أكثر من 230 مليون فتاة وامرأة يعشن اليوم مع آثار تشويه أعضائهن التناسلية، في أكثر من 30 دولة بأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، إضافة إلى بعض المجتمعات المهاجرة في أوروبا وأمريكا وأستراليا. وغالبًا ما يُجرى الختان في سن مبكرة، تتراوح بين مرحلة الرضاعة وسن الخامسة عشرة، بينما تُقدر أعداد الفتيات المعرضات للخطر سنويًا بأكثر من أربعة ملايين فتاة. كما تتحمل النظم الصحية حول العالم أعباء مالية ضخمة نتيجة علاج المضاعفات الصحية الناتجة عن هذه الممارسة، حيث تُقدَّر التكلفة السنوية بما يقرب من 1.4 مليار دولار، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إذا لم تُتخذ إجراءات أكثر حسمًا.

وفي مصر، ورغم تسجيل تقدم ملحوظ في مواجهة الظاهرة، لا تزال ختان الإناث تمثل تحديًا صحيًا واجتماعيًا. وتُظهر بيانات المسوح السكانية أن نسبة النساء بين 15 و49 عامًا اللاتي تعرضن للختان ما زالت مرتفعة، وتقترب من 86 في المئة، رغم تراجعها مقارنة بالسنوات السابقة. وتشير الدراسات إلى أن الأجيال الأصغر باتت أقل قبولًا للممارسة، إلا أنها لم تختفِ بالكامل، خاصة في بعض المناطق الريفية والمجتمعات ذات المستوى التعليمي الأقل.
وقد اتخذت الدولة المصرية خطوات تشريعية واضحة لمواجهة هذه الجريمة، حيث جرى حظر ختان الإناث رسميًا منذ عام 2007، ثم تم تشديد العقوبات في قانون العقوبات، لتشمل السجن من خمس إلى عشر سنوات لكل من يُجري الختان، وترتفع العقوبة إلى عشرين سنة في حال التسبب في عاهة مستديمة أو الوفاة. ويشمل التجريم جميع المتورطين في الجريمة دون استثناء، بما في ذلك الأطباء وأطقم التمريض، وهو ما يجعل القانون المصري من أكثر القوانين صرامة في المنطقة فيما يخص مكافحة الختان الطبي.
وتؤكد الأبحاث الطبية أن ختان الإناث يترتب عليه مضاعفات صحية خطيرة، تبدأ بآلام مبرحة ونزيف حاد وعدوى والتهابات قد تهدد الحياة، ولا تنتهي عند حدود الطفولة، بل تمتد آثارها إلى مراحل لاحقة من العمر، لتشمل صعوبات التبول، وآلام الدورة الشهرية، والمشكلات الجنسية والنفسية، ومضاعفات الحمل والولادة، فضلًا عن الحاجة إلى تدخلات جراحية لاحقة في بعض الحالات، إضافة إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة بين الناجيات.
وتصنف منظمة الصحة العالمية ختان الإناث إلى أربعة أنواع رئيسية، تتدرج في شدتها من الاستئصال الجزئي لحشفة البظر، إلى الاستئصال الكامل لبعض الأنسجة التناسلية، وصولًا إلى الختان الفرعوني الذي يتضمن تضييق فتحة المهبل، فضلًا عن ممارسات أخرى ضارة مثل الوخز أو الكي أو الثقب، وجميعها تُعد انتهاكات جسيمة للصحة والكرامة الإنسانية.
ورغم تجريم الممارسة، فإن استمرارها يرتبط بعوامل اجتماعية وثقافية متجذرة، من بينها الضغوط المجتمعية، والمفاهيم الخاطئة حول العفة والزواج، والاعتقادات الدينية غير الصحيحة، إضافة إلى ما يُعرف بـ«طبيّة الختان»، حيث يُجرى أحيانًا على يد مقدمي خدمات صحية بدعوى تقليل المخاطر، وهو ما ترفضه منظمة الصحة العالمية بشكل قاطع.
وتعمل مصر، بالتعاون مع المؤسسات الدولية والمجتمع المدني، على مواجهة هذه الظاهرة عبر حملات توعوية موسعة، وتدريب الكوادر الصحية على رفض المشاركة في الختان، ودعم الناجيات صحيًا ونفسيًا، إلى جانب تنفيذ استراتيجيات وطنية متوافقة مع أهداف التنمية المستدامة، تستهدف القضاء التام على ختان الإناث بحلول عام 2030.
الخلاصة: بوابة مصر الصحية
ويظل اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث مناسبة سنوية لتجديد التأكيد على أن هذه الممارسة لا تمثل عادة ولا تقليدًا، بل جريمة صحية وإنسانية، وأن حماية الفتيات تبدأ بالوعي، ولا تكتمل إلا بالتطبيق الصارم للقانون وتغيير المفاهيم المجتمعية، لضمان مستقبل أكثر أمانًا وصحة وكرامة للنساء والفتيات.




