بعد إعلان تراجع الوفيات والإصابات.. قراءة في الأسباب الحقيقية وراء التحول الأكبر في تاريخ الصحة المصرية
تقرير: رجاء ناجي
لم يكن إعلان الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، عن انخفاض معدلات الإصابة والوفيات بالسرطان في مصر مجرد خبر إحصائي جديد، بل حمل دلالة أكبر تتعلق بتحول فلسفة الرعاية الصحية في مصر من علاج المرض إلى اكتشافه مبكرًا قبل أن يتحول إلى خطر يهدد الحياة.
فبحسب أحدث تقديرات المرصد العالمي للسرطان (GLOBOCAN) التابع للوكالة الدولية لأبحاث السرطان، انخفض المعدل المعياري لوفيات السرطان في مصر بنسبة 23.5%، كما تراجع المعدل المعياري للإصابة بنسبة 17.2% بين تقديري عامي 2022 و2024، رغم استمرار النمو السكاني. كما انخفض عدد الحالات الجديدة من نحو 150.6 ألف حالة إلى 137.4 ألف حالة، بينما تراجعت الوفيات من 95.3 ألفًا إلى 80.5 ألف وفاة.
لكن السؤال الأهم ليس: ماذا حدث؟ بل: كيف وصلت مصر إلى هذه النتيجة؟
من العلاج إلى الوقاية.. نقطة التحول الحقيقية
يرى متخصصون في الصحة العامة أن التحول الأكبر لم يكن في بناء المستشفيات فقط، وإنما في تغيير طريقة تعامل الدولة مع المرض.
فعلى مدار عقود، اعتاد المصريون الذهاب للطبيب بعد ظهور الأعراض، أي عندما يكون المرض قد وصل في كثير من الأحيان إلى مراحل متقدمة، وهو ما كان ينعكس على ارتفاع معدلات الوفيات.
لكن منذ إطلاق المبادرات الرئاسية للصحة العامة عام 2018، بدأت الدولة في ترسيخ مفهوم جديد يقوم على الكشف المبكر باعتباره خط الدفاع الأول ضد الأمراض المزمنة والسرطان.
وللمرة الأولى أصبح المواطن هو من يُدعى للفحص، بدلًا من انتظار المرض.

أكثر من 276 مليون خدمة فحص.. عندما تتحول المبادرات إلى ثقافة
لم تعد مبادرة “100 مليون صحة” مجرد حملة قومية، بل أصبحت منظومة مستمرة تضم 15 مبادرة رئاسية تعمل منذ سبع سنوات في مختلف المحافظات.
ووفقًا للموقع الرسمي للمبادرات الرئاسية، قدمت المبادرات حتى الآن أكثر من 276 مليون خدمة فحص عبر 3527 وحدة ومركزًا على مستوى الجمهورية، وهو رقم يعكس حجم التحول في الوصول إلى المواطنين وليس انتظار وصولهم إلى المستشفيات.
هذا الانتشار الواسع ساهم في تحويل عبارة “الكشف المبكر” إلى مفهوم مألوف داخل المجتمع المصري، بعدما كانت الثقافة السائدة تقوم على تأجيل زيارة الطبيب حتى ظهور الأعراض.
سرطان الكبد.. القصة التي بدأت بفيروس «سي»
ربما يكون أكبر تفسير لانخفاض وفيات السرطان في مصر هو النجاح التاريخي في القضاء على فيروس التهاب الكبد الوبائي “سي”.
فلسنوات طويلة، كان سرطان الكبد يتصدر قائمة الأورام الأكثر تسببًا في الوفيات داخل مصر بسبب الانتشار الواسع للفيروس.
لكن مع نجاح المبادرة الرئاسية للقضاء على فيروس “سي”، تغيرت الخريطة بالكامل.
وأشار الدكتور خالد عبدالغفار إلى أن سرطان الكبد سجل وحده انخفاضًا في الوفيات بنسبة 22.1%، كما تراجعت الإصابات بنسبة 16.7%، وهو ما يعكس الأثر المباشر لمبادرة “100 مليون صحة”.
سرطان الثدي.. الاكتشاف المبكر ينقذ آلاف السيدات
ومع تراجع سرطان الكبد، أصبح سرطان الثدي اليوم الأكثر شيوعًا بين النساء في مصر، وهو ما دفع وزارة الصحة إلى توسيع برامج الفحص المبكر.
وتشير أحدث بيانات وزارة الصحة إلى أن المبادرة الرئاسية لصحة المرأة استقبلت أكثر من 66.3 مليون زيارة للسيدات للحصول على خدمات الفحص والتوعية والكشف المبكر، مع إحالة الحالات المشتبه بها لاستكمال الفحوص والعلاج بالمجان.
ويؤكد خبراء الأورام أن سرطان الثدي يعد من أكثر السرطانات التي ترتفع فيها نسب الشفاء عند اكتشافه مبكرًا، وهو ما يفسر الاهتمام الكبير بنشر ثقافة الفحص الذاتي، وزيادة وحدات الكشف، والتوعية المستمرة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التشخيص المبكر والعلاج السريع هما العاملان الأكثر تأثيرًا في خفض وفيات سرطان الثدي عالميًا.
الأمراض المزمنة.. البداية كانت قبل السرطان
لم تقتصر المبادرات على الأورام فقط، بل امتدت إلى الأمراض غير السارية التي تمثل عوامل خطر رئيسية للإصابة بالسرطان، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة وأمراض الكلى.
ومن بين هذه المبادرات، نجحت مبادرة الكشف المبكر عن الاعتلال الكلوي والأمراض المزمنة، منذ انطلاقها في سبتمبر 2021، في فحص أكثر من 23 مليون مواطن، بما يسمح باكتشاف المضاعفات قبل تطورها إلى مراحل متقدمة.
كما أطلقت وزارة الصحة مؤخرًا مبادرة جديدة للكشف المبكر عن أربعة أنواع من السرطان تشمل سرطان الرئة، والقولون، والبروستاتا، وعنق الرحم، في خطوة تستهدف رفع نسب الاكتشاف المبكر وخفض الوفيات مستقبلًا.
لماذا انخفضت الوفيات؟
يرى خبراء الصحة العامة أن تراجع وفيات السرطان في مصر يعود إلى عدة عوامل متكاملة، أهمها:
* التوسع غير المسبوق في برامج الكشف المبكر.
* القضاء على فيروس “سي” وتقليل سرطان الكبد.
* مكافحة البلهارسيا وانخفاض سرطان المثانة.
* رفع الوعي الصحي لدى المواطنين.
* تحسين سرعة الإحالة والعلاج.
* التوسع في المبادرات الرئاسية المجانية.
* تطوير قواعد بيانات التسجيل القومي للأورام.

ما بعد الأرقام.. هل تغير سلوك المصريين؟
ربما يكون الإنجاز الأهم الذي يصعب قياسه بالأرقام هو تغير سلوك المجتمع نفسه.
فبعد سنوات من العمل الميداني، أصبحت عبارات مثل “اكشف بدري”، و”100 مليون صحة”، و”المبادرات الرئاسية” جزءًا من الثقافة الصحية اليومية للمصريين.
وبات ملايين المواطنين يجرون الفحوص قبل ظهور الأعراض، وهو ما يمثل الفارق الحقيقي بين مجتمع يعالج المرض بعد حدوثه، وآخر يسعى لمنعه أو اكتشافه في بداياته.
الطريق لم ينتهِ
ورغم النتائج الإيجابية، يؤكد الدكتور خالد عبدالغفار أن المرحلة المقبلة ستركز على توسيع برامج الكشف المبكر، وتعزيز التسجيل القومي للأورام، وإطلاق مبادرات جديدة تستهدف الأمراض الأكثر شيوعًا، للحفاظ على هذا الاتجاه الإيجابي في معدلات الإصابة والوفيات.
الخلاصة
الانخفاض التاريخي في وفيات السرطان لم يكن نتيجة علاج أكثر تطورًا فقط، بل نتيجة تحول كامل في فلسفة الرعاية الصحية المصرية، من انتظار المرض إلى البحث عنه مبكرًا. وبين ملايين الفحوص التي أجرتها المبادرات الرئاسية، والوعي الصحي الذي ترسخ لدى المواطنين، يبدو أن المعركة ضد السرطان في مصر لم تعد تبدأ داخل غرف العمليات، بل من وحدة صحية صغيرة، أو سيارة مبادرة تجوب القرى، أو رسالة توعية تدعو مواطنًا لإجراء فحص قد ينقذ حياته.



