بهدوء، هل حان وقت إصدار قرار جديد لتسعير الدواء؟

بين الحين والآخر نسمع عن مراجعات لقواعد تسعير الدواء من جانب هيئة الدواء المصرية، سواء لمواجهة تغيرات سعر الصرف، أو ارتفاع تكاليف الخامات والشحن والطاقة، أو لمعالجة اضطرابات السوق وضمان استمرار توافر المستحضرات.

وفي كل مرة يعود السؤال نفسه:

هل أصبحت مصر في حاجة إلى قرار جديد وشامل لتسعير الدواء، يتواكب مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، من دون أن يكون هدفه رفع الأسعار، وإنما بناء منظومة أكثر وضوحًا واستقرارًا وقدرة على التعامل مع السوق؟

السؤال مهم، لأن تسعير الدواء لم يعد ملفًا منفصلًا عن الاستثمار.

فالشركة العالمية التي تفكر في إنشاء مصنع جديد، أو نقل خط إنتاج، أو توطين مستحضر حديث في مصر، لا تسأل فقط عن حجم السوق أو تكلفة العمالة، وإنما تسأل أيضًا: كيف يُسعَّر الدواء؟ ومتى يمكن مراجعة سعره؟ وما القواعد التي تحكم هذه المراجعة إذا تغير سعر الصرف أو ارتفعت تكلفة الإنتاج؟

المستثمر لا يبحث فقط عن سوق كبيرة، بل عن سوق مستقرة وقابلة للتنبؤ.

وهنا تحديدًا تكمن القضية.

سوق تغيرت.. فهل واكبتها قواعد التسعير؟

خلال السنوات الأخيرة تغيرت معادلة صناعة الدواء بصورة كبيرة.

ارتفعت تكاليف الخامات والشحن والطاقة والتكنولوجيا، وتحرك سعر الصرف أكثر من مرة، وفي الوقت نفسه توسعت الدولة في خطط توطين الصناعات الدوائية وجذب الشركات العالمية ونقل التكنولوجيا.

ولم يعد الحديث يقتصر على تصنيع الأدوية التقليدية، بل امتد إلى الأدوية الحيوية والإنسولين وأدوية الأورام والمستحضرات المعقدة.

وهذه الصناعات تحتاج إلى استثمارات ضخمة ورؤية طويلة الأجل، لا إلى قرارات قصيرة المدى.

ولهذا كان مهمًا أن تناقش هيئة الدواء خلال الفترة الماضية تحديث سياسات التسعير مع ممثلي الصناعة، وهو ما يعكس إدراكًا بأن الملف نفسه يحتاج إلى تطوير مستمر.

المريض أولًا.. لكن المصنع الذي يخسر لن يستمر

لا أحد يطالب بتحرير سعر الدواء وتركه بالكامل لقوى السوق.

فالدواء سلعة استراتيجية مسعرة، والدولة مسؤولة عن حماية المواطن من الارتفاعات غير المبررة وضمان وجود بدائل مناسبة.

لكن في المقابل، لا يمكن مطالبة مصنع بالاستمرار في إنتاج دواء أصبحت تكلفته أعلى من سعر بيعه لفترات طويلة.

في هذه الحالة لا يصبح لدينا دواء رخيص.

بل يصبح لدينا دواء غير موجود.

ومن هنا تصبح معادلة التسعير جزءًا من الأمن الدوائي، وليست مجرد رقم مطبوع على العبوة.

المطلوب إذن ليس رفع الأسعار تلقائيًا، وإنما وجود آلية أكثر مرونة ووضوحًا، تستطيع التعامل مع تغيرات التكلفة قبل أن تتحول إلى أزمة نقص.

المستثمر لا يخاف من السعر.. بل من غياب الرؤية

قد تقبل شركة بسعر دواء منخفض نسبيًا إذا كانت تعرف القواعد التي تحكم السوق، وتستطيع بناء دراسة جدوى لسنوات مقبلة.

لكن إذا أصبحت إعادة التسعير في كل مرة مرتبطة بطلب منفصل، وانتظار موافقات، وعدم وضوح توقيت المراجعة أو معاييرها، فإن عنصر المخاطرة يرتفع.

وكلما ارتفعت المخاطرة، أصبح قرار ضخ استثمار جديد أكثر صعوبة.

وهذا مهم في توقيت تسعى فيه مصر إلى جذب شركات دواء عالمية وتوسيع التصنيع المحلي.

فالشركة التي ستضخ استثمارًا جديدًا تريد أن ترى قواعد تسعير واضحة وشفافة وقابلة للتوقع، تجيب عن أسئلتها قبل أن تضع أموالها.

لماذا لا تكون لدينا معادلة أكثر وضوحًا؟

ربما لا نحتاج إلى قانون جديد بالمعنى التشريعي، وإنما إلى قرار تنظيمي حديث وشامل يجمع قواعد التسعير وإعادة التسعير في إطار واحد واضح.

إطار يفرق بين أنواع الأدوية.

فالأدوية الأساسية منخفضة السعر التي يستخدمها ملايين المواطنين تحتاج إلى سياسة تحمي استمرار إنتاجها وتمنع اختفاءها.

والأدوية المبتكرة مرتفعة التكلفة تحتاج إلى نموذج يوازن بين قيمة الابتكار وقدرة النظام الصحي على تحمل السعر.

أما المستحضرات التي يجري توطينها للمرة الأولى في مصر، فقد تحتاج إلى حوافز تسعيرية تشجع نقل التكنولوجيا والاستثمار المحلي.

كما يمكن أن ترتبط مراجعات الأسعار بمؤشرات معلنة، مثل تغيرات سعر الصرف أو تكلفة المواد الخام أو نسبة المكون المحلي، بدلًا من انتظار وصول المنتج إلى مرحلة يصبح معها استمرار تصنيعه مهددًا.

التسعير المرن.. تجربة تستحق البناء عليها

منذ تحركات سعر الصرف، أعيد النظر في أسعار عدد من المستحضرات، وبدأ مصطلح «التسعير المرن» يتكرر بصورة أكبر داخل سوق الدواء.

وكان لهذه السياسة أثر مهم في إعادة التوازن إلى بعض المنتجات التي أصبحت تكلفتها لا تتناسب مع أسعار بيعها، كما أرسلت رسالة إيجابية إلى المستثمر بأن الجهة التنظيمية قادرة على التعامل مع المتغيرات الاقتصادية.

لكن التسعير المرن لا ينبغي أن يظل مجرد استجابة للأزمات.

الأفضل أن يتحول إلى سياسة مؤسسية واضحة، لها معايير معلنة ومواعيد وآليات محددة، بما يحقق التوازن بين حماية المريض وضمان استمرار الصناعة.

فرصة لا يجب أن تضيع

مصر تمتلك سوقًا دوائية كبيرة، وقاعدة صناعية قوية، وكوادر بشرية مؤهلة، ودولة تضع توطين صناعة الدواء ضمن أولوياتها.

لكن إذا أردنا أن تتحول مصر من مجرد سوق كبيرة إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا، فعلينا أن ننظر إلى التسعير باعتباره جزءًا من سياسة الاستثمار، وليس مجرد قرار برفع سعر عبوة أو خفضه.

وإذا لم تكن لدينا قواعد واضحة وقابلة للتوقع، فسنظل نعالج المشكلة مستحضرًا بعد مستحضر، بدلًا من تطوير النظام نفسه.

بهدوء..

إعادة النظر في منظومة تسعير الدواء لا تعني الانحياز إلى الشركات على حساب المريض.

ولا تعني أن هناك موجة جديدة من ارتفاع أسعار الأدوية قادمة.

بل تعني ببساطة تنظيم الإجراءات وتحديثها، ووضع قواعد أكثر وضوحًا ومرونة واستقرارًا.

قواعد تحمي المريض، وتحافظ على استمرار الصناعة، وتشجع المستثمر الجديد، وتدعم خطط توطين الدواء.

لذلك ربما أصبح السؤال الذي يستحق أن يطرح الآن بجدية:

هل حان الوقت لإصدار قرار جديد يعيد بناء قواعد تسعير الدواء في مصر بما يتناسب مع سوق تغيرت، وصناعة تسعى إلى التوسع، ودولة تريد جذب المزيد من الاستثمارات؟

هذا، في رأيي، هو النقاش الذي يجب أن يبدأ الآن.

بهدوء، رجاء ناجي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top