تجربة المريض الأجنبي في مصر: ما الذي يحتاج تحسيناً فعلياً؟

تجربة المريض الأجنبي في مصر: ما الذي يحتاج تحسيناً فعلياً؟

بقلم:د. اسعد رياض

تُعدّ مصر من الدول التي تمتلك رصيداً حقيقياً في الكفاءات الطبية، وتاريخاً طويلاً في تقديم خدمات علاجية عالية المستوى بتكلفة تنافسية. ومع ذلك، فإن هذا الرصيد وحده لم يعد كافياً لضمان مكانة متقدمة على خريطة السياحة العلاجية العالمية. فالمريض الأجنبي اليوم لا يبحث عن طبيب ماهر فقط، بل عن تجربة متكاملة يشعر فيها بالأمان، والوضوح، والاحترام منذ لحظة التفكير في السفر وحتى عودته إلى وطنه.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ندير علاجاً… أم ندير رحلة مريض؟

دعوني اذكركم ان تجربة المريض الأجنبي ليست حدثاً منفصلاً داخل المستشفى، بل سلسلة مترابطة من التفاعلات تبدأ بالاتصال الأول مابين المنشأة الطبية والمريض، وتمر بالتخطيط الطبي، والسفر، والتنقل، والعلاج، ثم المتابعة بعد الخروج. الخلل الحقيقي هنا لا يكمن في النتائج السريرية بقدر ما يكمن في إدارة هذه الرحلة بشكل منهجي ومتسق مع المعايير الدولية.

على مستوى الجودة السريرية، تمتلك العديد من المنشآت المصرية أطباء متميزين وبروتوكولات علاج فعالة. لكن التحدي يظهر عند النظر إلى التجربة من منظور المريض الدولي. فهناك غياب شبه تام لمعايير التعامل مع المرضى الأجانب، وضعف التواصل الطبي وغير الطبي متعدد اللغات، وعدم وضوح المسار العلاجي المكتوب والمشروح بلغة يفهمها المريض والحصول على موافقته المستنيره قبل البدأ في العلاج ، كلها عوامل تضعف الثقة حتى في أفضل البيئات العلاجية. الاعتماد الدولي موجود في بعض المؤسسات، لكنه غالباً لا يمتد ليشمل وعي كافٍ لدى العاملين بكافة عناصر السلسلة الكاملة للخدمة، من الإحالة وحتى المتابعة بعد العودة. أما التنقل واللوجستيات، فهي إحدى أكثر نقاط الضعف تأثيراً، رغم أنها نادراً ما تُناقش بجدية: تجربة المطار، الاستقبال، النقل الطبي وغير الطبي، والتنقل داخل المدن، تشكل الانطباع الأول والأكثر رسوخاً لدى المريض. أي ارتباك أوحتى عشوائية في هذه المرحلة ينعكس مباشرة على إحساسه بالأمان، مهما كانت جودة الرعاية الطبية لاحقاً. كثير من الدول المنافسة لم تتفوق طبياً بقدر ما أتقنت إدارة

التفاصيل اللوجستية بعقلية “الخدمة الموجهة للمريض”.

الخدمات المصاحبة أيضاً تمثل بدورها حلقة مهملة في التجربة الكلية. المريض الأجنبي لا يعيش داخل غرفة العمليات، بل يقضي وقتاً أطول في الإقامة، ومع مرافقيه، وفي فترات الانتظار والنقاهة. مستوى الضيافة الطبية، التغذية المناسبة، الخصوصية، الحساسية الثقافية، وإدارة توقعات المريض قبل الوصول، كلها عناصر تصنع الفارق بين تجربة مقبولة وتجربة يُوصى بها.
الأهم من ذلك هو ما بعد الخروج: المتابعة الطبية الدولية، التواصل المستمر، والإحساس بأن العلاقة لم تنتهِ بانتهاء الفاتورة.

غير أن التحدي الأعمق يظل إدارياً وحوكمياً. المشكلة ليست نقص الإمكانات، بل غياب مانسميه “مالك الرحلة او المسؤول عنها“. تتعدد الأطراف المعنية دون قيادة موحدة لمسار المريض، وتغيب مؤشرات أداء واضحة تقيس تجربة المرضى الدوليين، لا بوصفها شكوى طارئة، بل كعنصر استراتيجي. كثيراً ما يُخلط بين التسويق والجاهزية الفعلية، فتُرفع الوعود قبل أن تُبنى المنظومة القادرة على الوفاء بها بما فيه الاستجابة السريعة لشكوى المريض وحلها دون ابطاء.

ما تحتاجه مصر فعلياً ليس حملات ترويج إضافية، بل انتقالاً واعياً من التميز الفردي إلى التميز المؤسسي، ومن تقديم خدمة جيدة إلى إدارة تجربة متكاملة. تجربة المريض الأجنبي يجب أن تُدار بنفس الجدية التي تُدار بها النتائج السريرية، وأن تُقاس، وتُراجع، وتُحسّن باستمرار.

في سوق عالمي شديد التنافس، لم تعد السياحة العلاجية مشروع صورة ذهنية، بل اختبار نضج للمنظومة الصحية بأكملها. ومن لا يدير تجربة المريض بوعي ومسؤولية، سيدفع الثمن في سمعته قبل أرقامه.

د. اسعد رياض
المدير الاقليمى لتيموس العالمية في مصر وشمال افريقيا
وعضو استشاري للمجلس العالمى للسياحة العلاجية

1 فكرة عن “تجربة المريض الأجنبي في مصر: ما الذي يحتاج تحسيناً فعلياً؟”

  1. مقال شيق يفتح الأفق تجاه مستقبل واعد بمجال السياحه العلاجيه
    أحسنت يا دكتور.. نتمنى أن يهتم أصحاب القرار بمستقبل السياحه العلاجيه في مصر و سرعة حجز دور بارز في ذلك المجال الذي قد يعزز من الإقتصاد القومي المصري بشكل غير مباشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top