هل تُورِّث الأمهات السمنة وتكيس المبايض لبناتهن قبل الولادة؟
تقرير: حنين عبد الوهاب
في الوقت الذي تتصدر فيه السمنة قائمة أخطر التحديات الصحية في مصر، يكشف العلم اليوم عن حقيقة أشد صدمة: الأمر لا يبدأ عند البلوغ… بل في رحم الأم نفسها.
فوفقًا لأحدث تقارير المسح الصحي السكاني في مصر، فإن نسب السمنة بين الإناث وصلت لمعدلات غير مسبوقة:
• 86% من السيدات في سن الإنجاب (15–49 عامًا) يعانين من زيادة وزن أو سمنة.
• 65% من المراهقات (15–19 عامًا) يعانين من نفس المشكلة.
• 94% من السيدات بين 40–49 عامًا يعانين من سمنة أو زيادة وزن.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد مشكلة فردية… بل قنبلة صحية موقوتة تهدد الأجيال القادمة.

فصل جديد من العلم: برمجة الجنين Metabolic Programming
على مدار العقد الأخير، ازداد الاهتمام العلمي بما يسمى برمجة الجنين؛ وهي القدرة البيولوجية التي تمتلكها البيئة داخل الرحم لتشكيل صحة الطفل على المدى البعيد.
الدراسات العالمية — من جامعات مثل هارفارد، كينغز كوليدج لندن، ومراكز طب الأجنة — تشير بوضوح إلى أن:
نوعية تغذية الأم أثناء الحمل، وزنها، وحالتها الهرمونية قد “تُعيد برمجة” أجهزة جنينها: التمثيل الغذائي، الهرمونات، وحتى مستقبل الخصوبة.
ومعنى ذلك أن مشكلات مثل تكيس المبايض PCOS — أحد أكثر اضطرابات الهرمونات شيوعًا بين البنات — قد يبدأ مسارها قبل الميلاد بسنوات.
كيف تورِّث الأم السمنة وتكيس المبايض لابنتها؟
عندما تعاني الأم من السمنة أو من مقاومة الإنسولين، يتعرض الجنين — خصوصًا الإناث — لمستويات مختلفة من الهرمونات التي تغيّر طريقة عمل المستقبلات الهرمونية مستقبلًا.
هذه التغييرات قد تزيد قابلية الفتاة لاحقًا لـ:
• صعوبة الحمل
• ارتفاع السكر في سن صغيرة
المشيمة كجهاز برمجة
المشيمة ليست مجرد “وصلة” بين الأم والجنين… إنها مركز برمجة كامل.
زيادة الدهون وارتفاع السكر في دم الأم يغيران تدفّق الهرمونات خلال المشيمة، ما يجعل الجنين أكثر استعدادًا لاضطراب التمثيل الغذائي لاحقًا.
الوجبات السريعة والسكريات: الخطر الصامت
الإفراط في تناول:
• الوجبات السريعة،
• السكريات،
• المحليات الصناعية،
• المشروبات الغازية،
يؤثر مباشرة على البيئة الهرمونية داخل الرحم.
أطباء طب الأجنة يؤكدون أن هذه الأنظمة الغذائية تزيد معدلات برمجة تكيس المبايض لدى البنات بنسبة تصل إلى 40%.
المفارقة الصادمة:
تكيس المبايض لا يبدأ عند أول دورة… بل في بطن الأم
لسنوات طويلة، كان يُنظر إلى تكيس المبايض كاضطراب يظهر في سن البلوغ.
لكن الأبحاث اليوم تقول:
“الخطر يبدأ قبل ذلك بعشر سنوات… وربما من الأسبوع العاشر للحمل.”
أي أن ما تأكله الأم، طريقة حياتها، وزنها، ونمطها الغذائي… كلها عوامل تحدد صحة الفتاة قبل أن ترى النور.

مصر في قلب العاصفة: لماذا يهمنا هذا الاكتشاف؟
لأن مصر تواجه اليوم ثلاث ظواهر مترابطة:
1. واحدة من أعلى نسب السمنة بين النساء عالميًا.
2. ارتفاع معدلات تكيس المبايض بين الفتيات.
3. زيادة معدلات تأخر الإنجاب واللجوء للحقن المجهري.
كل هذا يفرض سؤالًا خطيرًا:
هل نحن نصنع جيلًا جديدًا مبرمجًا وراثيًا لمشكلات السمنة والعقم؟
ماذا نفعل؟ الحل يبدأ قبل الحمل وليس بعده
- متابعة وزن الأم قبل وأثناء الحمل ضروري لصحة الجنين، ليس من أجلها فقط… بل من أجل مستقبل بناتها.
- منع الوجبات السريعة والمشروبات الغازية أثناء الحمل، ليست “رفاهية” كما يظن البعض… بل حماية من مرض مزمن قد يستمر مدى الحياة.
- تثقيف المقبلات على الزواج حول برمجة الجنين، هذه المعرفة يجب أن تكون جزءًا من فحوصات ما قبل الزواج.
- حملات وطنية للوقاية من سمنة الأمهات، لأن كل تحسّن يحدث للأم، ينعكس تلقائيًا على أطفالها.
الخلاصة:
من رحم الأم تبدأ رحلة حياة كاملة… إما نحو الصحة أو نحو المرض
تكيس المبايض ليس لعنة وراثية ثابتة ولا السمنة قدر محتوم
لكنهما — في كثير من الأحيان — نتاج بيئة داخل الرحم يمكن التحكم فيها تمامًا.
صحة بناتنا تبدأ من صحة أمهاتهم.
والاستثمار في صحة الحامل اليوم… هو استثمار في رأس مال مصر البشري غدًا.



