الوجبات الخفيفة المعبأة والمشروبات الغازية واللحوم المصنعة تحت المجهر.. والباحثون: النتائج تكشف ارتباطًا ولا تثبت أن الغذاء وحده يسبب السرطان
قد لا تكون المشكلة في قطعة بسكويت أو علبة مشروب غازي واحدة، لكن ما يحدث عندما تتحول الأطعمة فائقة التصنيع إلى الجزء الأكبر من النظام الغذائي اليومي أصبح محل اهتمام متزايد من الباحثين.
دراسة أمريكية حديثة أجراها باحثون من كلية تشارلز إي. شميدت للطب بجامعة فلوريدا أتلانتيك كشفت ارتباطًا بين ارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة التصنيع وزيادة خطر الإصابة بسرطان البروستاتا لدى الرجال، مع ارتفاع الخطر في بعض التحليلات إلى ما يقارب الثلث مقارنة بالأشخاص الأقل استهلاكًا لهذه المنتجات.
الدراسة، التي نُشرت في أغسطس 2026 في The American Journal of Medicine، اعتمدت على بيانات 17,024 رجلًا أمريكيًا، ما يجعلها واحدة من الدراسات الحديثة الكبيرة التي أعادت فتح النقاش حول العلاقة بين نمط الغذاء وسرطان البروستاتا.
اقرا ايضًا: بموافقة ھیئة الدواء .. استخدام جدید” لدواء لسرطان البروستاتا مع العلاج الھرموني بمفرده
17 ألف رجل تحت الدراسة
حلل الباحثون بيانات مشاركين في المسح الوطني الأمريكي للصحة والتغذية NHANES خلال الفترة من 2003 إلى 2023.
واعتمدوا على استدعاءين غذائيين لمدة 24 ساعة لكل مشارك لتحديد كمية الأطعمة فائقة التصنيع التي يتناولها، ثم جرى تصنيف الأغذية وفق نظام NOVA، الذي يقسم الطعام بحسب درجة التصنيع التي تعرض لها.
وقُسم الرجال إلى أربع مجموعات، وفق نسبة السعرات اليومية التي يحصلون عليها من الأطعمة فائقة التصنيع.
بدأت المجموعة الأقل استهلاكًا بمن يحصلون على أقل من نحو 20% من إجمالي السعرات من هذه المنتجات، بينما تجاوزت النسبة 44% لدى المجموعة الأعلى استهلاكًا.
ارتفاع الخطر إلى نحو الثلث
النتائج كانت لافتة.
فمقارنة بالرجال الأقل استهلاكًا للأطعمة فائقة التصنيع، سجل الرجال في المجموعات الثلاث الأعلى استهلاكًا زيادة في خطر الإصابة بسرطان البروستاتا بنحو 29%.
وعند جمع المجموعتين الأعلى استهلاكًا، بلغت الزيادة نحو 30%.
وبعد أن ضبط الباحثون عددًا من العوامل التي يمكن أن تؤثر في النتيجة، من بينها العمر والتدخين والعرق والوضع الاقتصادي، ظلت زيادة الخطر واضحة، وتراوحت في بعض المقارنات بين نحو 27% و31%.
أما المجموعة الأعلى استهلاكًا على الإطلاق، فأظهر التحليل المعدل زيادة محتملة في الخطر بلغت 34%، إلا أن هذه النتيجة تحديدًا لم تصل إلى الدلالة الإحصائية المطلوبة، وهو ما يعني ضرورة التعامل معها بحذر وعدم تقديمها باعتبارها حقيقة محسومة.
لذلك فإن التعبير الأدق علميًا هو أن الاستهلاك المرتفع للأطعمة فائقة التصنيع ارتبط بزيادة في خطر سرطان البروستاتا وصلت في بعض التحليلات إلى نحو الثلث، وليس أن هذه الأغذية ترفع الخطر بصورة مؤكدة لدى كل رجل.
ما الأطعمة فائقة التصنيع؟
المقصود لا يقتصر على الطعام المصنع بمعناه التقليدي.
الأطعمة فائقة التصنيع هي منتجات خضعت لمراحل تصنيع متعددة، وغالبًا تحتوي على مكونات وإضافات لا تُستخدم عادة في إعداد الطعام المنزلي، بهدف تحسين المذاق أو القوام أو اللون أو إطالة فترة الحفظ.
وتشمل أمثلة شائعة:
- المشروبات الغازية والمشروبات المحلاة.
- الوجبات الخفيفة المعبأة.
- بعض أنواع البسكويت والحلوى.
- اللحوم المصنعة.
- بعض حبوب الإفطار المصنعة.
- منتجات جاهزة للأكل أو التسخين شديدة التصنيع.
ويشير باحثو جامعة فلوريدا أتلانتيك إلى أن هذه المنتجات أصبحت تمثل نسبة كبيرة من السعرات التي يتناولها الأمريكيون يوميًا.
لماذا قد تؤثر في البروستاتا؟
الدراسة لم تُصمم لإثبات الآلية البيولوجية، لكنها طرحت عدة تفسيرات محتملة.
فالأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة فائقة التصنيع غالبًا ما ترتبط بارتفاع تناول السكر والدهون والملح، وانخفاض الألياف والمكونات الغذائية الطبيعية، وقد ترتبط كذلك بالالتهاب المزمن واضطرابات التمثيل الغذائي والإجهاد التأكسدي وتغيرات في ميكروبيوم الأمعاء.
كما يبحث العلماء في احتمال تأثير بعض المركبات الناتجة عن عمليات التصنيع أو المواد المتلامسة مع العبوات، لكن هذه المسارات ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسة قبل إثبات علاقتها المباشرة بسرطان البروستاتا.
الدراسة تفتح بابًا.. لكنها لا تحسم القضية
وهنا تأتي النقطة الأهم.
الدراسة رصدية، وليست تجربة سريرية، وبالتالي لا تستطيع إثبات أن تناول الأطعمة فائقة التصنيع هو السبب المباشر في حدوث سرطان البروستاتا.
كما أن تشخيص سرطان البروستاتا في بيانات الدراسة اعتمد على إفادة المشاركين بأنفسهم، وليس على مراجعة ملفات مرضية لجميع الحالات.
والأكثر أهمية أن الأدلة العلمية السابقة ليست كلها متفقة.
فمراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في 2024 وشملا ست دراسات لم يجدا ارتباطًا إحصائيًا واضحًا بين ارتفاع استهلاك الأطعمة فائقة التصنيع وحدوث سرطان البروستاتا، وهو ما يؤكد أن العلاقة ما تزال بحاجة إلى دراسات أقوى وطويلة المدى.
لذلك فإن الدراسة الجديدة لا تغلق الملف، وإنما تضيف قطعة جديدة إلى صورة علمية لم تكتمل بعد.
سرطان البروستاتا.. العمر والتاريخ العائلي في مقدمة عوامل الخطر
بعيدًا عن الغذاء، هناك عوامل خطر أكثر ثبوتًا لسرطان البروستاتا.
المعهد الوطني للسرطان الأمريكي يؤكد أن احتمالات الإصابة ترتفع بوضوح مع التقدم في العمر، ويظل المرض غير شائع نسبيًا قبل سن الخمسين.
كما يزيد التاريخ العائلي من الخطر، خصوصًا إذا أصيب الأب أو الأخ أو الابن بسرطان البروستاتا، إضافة إلى بعض العوامل الوراثية المعروفة.
ولهذا لا يمكن اختزال الوقاية من سرطان البروستاتا في نوع واحد من الطعام.
النظام الغذائي جزء من الصورة، لكنه ليس الصورة كاملة.
هل تقليل هذه الأطعمة يمنع سرطان البروستاتا؟
لا توجد حتى الآن أدلة تسمح بالقول إن التوقف عن الأطعمة فائقة التصنيع سيمنع سرطان البروستاتا بصورة مؤكدة.
لكن تقليل الاعتماد عليها قد يحمل فوائد صحية أوسع، خصوصًا إذا استُبدلت بنظام غذائي غني بالخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات ومصادر البروتين الأقل تصنيعًا.
كما أن الحفاظ على وزن صحي والنشاط البدني والامتناع عن التدخين تظل جزءًا مهمًا من نمط الحياة الصحي عمومًا.
ماذا عن الفحص؟
سرطان البروستاتا قد ينمو دون أعراض في بدايته.
ومن أدوات الكشف المستخدمة تحليل PSA في الدم، لكن الفحص ليس قرارًا واحدًا يناسب جميع الرجال؛ إذ قد يؤدي في بعض الحالات إلى اكتشاف أورام بطيئة النمو ربما لم تكن ستسبب مشكلة طوال حياة الشخص، كما يمكن أن تظهر نتائج إيجابية أو سلبية غير دقيقة.
ولهذا يشدد المعهد الوطني للسرطان على أهمية مناقشة فوائد ومخاطر الفحص مع الطبيب وفق العمر والتاريخ العائلي وعوامل الخطورة الشخصية.
الرسالة ليست «لا تأكل هذه المنتجات أبدًا»
الرسالة التي تطرحها الدراسة أكثر واقعية.
المشكلة ليست في تناول منتج مصنع بصورة عارضة، وإنما في أن يصبح الطعام فائق التصنيع هو الأساس الذي يقوم عليه النظام الغذائي اليومي.
وبالنسبة للباحثين، فإن النتائج الجديدة تضيف سببًا آخر لإعادة النظر في حجم هذه المنتجات داخل النظام الغذائي، لكنها لا تسمح حتى الآن باعتبارها سببًا مباشرًا لسرطان البروستاتا.
الدراسة مهمة لأنها طرحت سؤالًا على أكثر من 17 ألف رجل ووجدت إشارة تستحق المتابعة.
لكن الإجابة النهائية تحتاج إلى المزيد من الأبحاث.
وحتى ذلك الحين، تبدو الرسالة الصحية الأبسط والأكثر أمانًا واضحة:
كلما اقترب الطعام من صورته الطبيعية وقل اعتماده على التصنيع والإضافات، كان ذلك خيارًا أفضل للصحة العامة، حتى وإن كانت علاقته الدقيقة بسرطان البروستاتا لا تزال تحت البحث.



